تتعاظم تعقيدات القضايا القانونيّة في زماننا الحالي، وتتبدل أدوات الإقناع فيه بين مرحلةٍ وأخرى، وفي هذا التوقيت جاءت محاضرة الأستاذة عبير البدعيش حول لغة الجسد، وعلاقتها بمهنة المحاماة، لتطرح سؤالاً جوهريّاً، فهل تكفي النصوص القانونيّة وحدها لفهم الحقيقة، أم أن الجسد يقول ما تعجز الكلمات عن إخفائه؟
قاعة المحاضرات في نقابة المحامين في السويداء شهدت حضوراً لافتاً لمحاضرة خرجت عن الإطار التقليدي، لتضع المتدربين على مهنة المحاماة وجهاً لوجه أمام علمٍ دقيقٍ يتقاطع فيه القانون مع علم النفس والسلوك الإنساني.
من داروين إلى Lie to Me… رحلة في جذور التعبير الإنساني
عبير البدعيش – مديرة العلاقات العامة في أنامورفك – أعادت تتبّع جذور لغة الجسد، بدءً من إسهامات تشارلز داروين في التعبير الانفعالي، مروراً بنظرية لومبروزو، وصولاً إلى أعمال عالم النفس بول إيكمان، الذي شكّل مرجعاً أساسيّاً في فهم تعابير الوجه الدقيقة، مع استحضار أمثلة معاصرة أبرزها مسلسل Lie to Me، الذي قرّب هذا العلم من الجمهور العامّ عبر لغةٍ دراميّة جاذبة ومتميّزة في عالم الجريمة والقضاء.
كما لم تغفل الإشارات التراثيّة، مستشهدةً بما ورد عند الإمام الشافعي في فهم الدلالات السلوكيّة والقرائن غير اللفظيّة، في ربطٍ لافتٍ بين التراث والفكر العلمي الحديث.

هل يقول الجسد ما تعجز عنه أوراق الدعوى؟
تؤكد البدعيش – خبيرة لغة الجسد – أن لغة الجسد لا تُدرَّس للإدانة أو التبرئة، بل تُكتسب كمعرفة علميّة هدفها قراءة المشاعر والنوايا غير المكتوبة، وهي – بحسب تعبيرها – «أصل الحكاية والسبب الحقيقي لأيّ حدث».
وترى أن التوتر غير المبرر أو الاستجابة الانفعاليّة غير المتناسقة مع الكلام تشكّل مؤشراً واضحاً على خلل في الرواية، خاصّة عندما يغيب الانسجام بين القول والسلوك الظاهر. هذا الخلل يمنح المحامي أو القاضي مساحة أوسع لإعادة توجيه الأسئلة، وربّما طرح أسئلة لم تكن بالحسبان، في لحظة حاسمة قد تغيّر مسار القضيّة.
وتشير إلى أن قراءة الإشارة يجب أن تتم في اللحظة نفسها التي تُقال فيها الكلمة، مع ملاحظة التعابير الوجهيّة ونبرة الصوت، حيث تؤكد الدراسات – بحسب البدعيش – أن السلوك غير اللفظي ونبرة الصوت يشكلان نحو 93% من التأثير، مقابل 7% فقط للكلمات، ما يجعل لغة الجسد علماً قائماً بذاته، لا اجتهاداً شخصيّاً.
أداة خفيّة في الكشف …
ركّزت المحاضرة على أهمّيّة لغة الجسد في كشف صدق أو كذب المستجوب، والمدعي، والمدعى عليه، معتبرةً أنها أداة مساندة لا تقلّ شأناً عن الأدلة المكتوبة، لكنّها في الوقت ذاته حذّرت من القراءة السطحيّة أو المتسرعة للإشارات الجسديّة.
وأكدت أن أيّ حركة أو تعبير لا يمكن تفسيره بمعزل عن سياق الحدث، والزمان، والمكان، مشيرةً إلى مفهوم الإشارات غير المنتهية، التي تتبدّل دلالاتها تبعاً للظروف المحيطة.

هل يستطيع الكاذب السيطرة على جسده؟
تلفت البدعيش إلى أن السيطرة على لغة الجسد ممكنة جزئيّاً، خاصّةً لدى من يمتلك خبرة أو تدريباً عالياً، مستشهدةً بأمثلةٍ من الأفلام والحالات الواقعيّة التي أظهرت قدرة بعض المحترفين في الإجرام أو الاحتيال على التحكم بسلوكهم، وحتّى تجاوز اختبارات كشف الكذب.
لكنّها تشدد على وجود ثغرة لا يمكن تجاوزها بسهولة، وهي عدم القدرة على تنسيق الاستجابات الانفعاليّة وتزامنها بين تعابير الوجه، وحركات اليدين، وإشارات الجزء السفلي من الجسد، وخصوصاً القدمين، إضافةً إلى التنفس.
وتوضّح أن هذا النوع من التحكم يتطلّب جهداً جسديّاً وتركيزاً عالياً لا يمكن الحفاظ عليه لأكثر من دقيقة، خاصّة عند إعادة السؤال نفسه، وهو الأسلوب الذي يعتمد عليه المحقق المحترف لزيادة الضغط وكشف التناقض السلوكي.
بين التقصير المهني وخطر الأحكام المسبّقة
ترى البدعيش أن التقصير الحقيقي لا يكمن في تجاهل لغة الجسد كدليل رسمي، بل في عدم إدراك المحامي أو القاضي لتأثير السلوك غير اللفظي على قراراتهم، أو في التعامل مع الإنسان باعتباره ملفاً لا أكثر.
وتؤكد أن الحكم في النهاية يُصدر على إنسان، هو أصل الرواية وبدايتها، وليس على أوراق وتشريعات فقط. لكنّها في المقابل تحذّر من إدخال لغة الجسد رسميّاً كدليل قاطع في المرافعات، لما قد يحمله ذلك من خطر ترسيخ الأحكام المسبّقة.
ومع ذلك، تعتبر أن الوعي بلغة الجسد، من دون تحويلها إلى أداة إدانة، يمكن أن يشكّل ضمانة أكثر عدالة للأحكام القادمة، عندما يُستخدم كأداة فهم لا كوسيلة اتهام.

فكرة جريئة في زمن معقد
محاضرة عبير البدعيش بدت كدعوة مفتوحة لإعادة النظر في أدوات المهنة، ولفتح نقاشٍ مهنيٍّ جادٍّ حول موقع لغة الجسد في العمل القانوني المعاصر، وليس هذا وحسب بل لإمكانيّة تعديل المناهج الدراسيّة من خلال تطويرها وجعلها أكثر معاصرةً في إدخال الطالب والدارس في هذا المسلك القانوني والحقوقي والقضائي للالتفات والتعمّق في أهمّيّة هذه الأبحاث والدراسات التي وجدت لنفسها مساحةً مفيدة وجريئة عبر تطبيقاتها في مجالاتٍ حيويّة في يومنا الحالي على هذا الكوكب.

