تحلّ الذكرى الثامنة والعشرون لرحيل الفنّان السوري الكبير فهد بلان (24 كانون الأوّل 1997)، أحد أبرز الأصوات الغنائيّة في القرن العشرين، وصاحب تجربة فنّيّة شكّلت
علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي من حيث القوّة، والمساحة الصوتيّة، والهويّة التعبيريّة.
تناول الكاتب عماد بلان في دراسته الفنّيّة خصوصيّة صوت فهد بلان، مؤكداً أنه لم يكن مجرّد مطرب ناجح، بل ظاهرة صوتيّة نادرة. وقد أجمع نقاد وموسيقيون عرب وأجانب
على تفوّق صوته من حيث الجهوريّة، والدفء، والقدرة على الجمع بين القرار العميق والجواب العالي بسلاسة استثنائيّة، حتّى عدّه أحد المستشرقين من بين أقوى خمسة
أصوات غنائيّة في العالم خلال القرن العشرين.

كما أشاد كبار الموسيقيين العرب بتجربته، إذ وصفه سيّد مكاوي بأنه قادر على تحويل اللحن البسيط إلى عمل مزدهر، بينما رأت أم كلثوم في صوته لوناً وأداءً جديدين في
الغناء العربي. واعتبر موسيقيون أكاديميون أنّ فهد بلان أسّس مدرسة غنائيّة قائمة على القوّة والرجولة، كبديل عن أنماط الشكوى والأنين التي سادت زمناً طويلاً.
من الناحية الموسيقيّة، امتدّ صوت فهد بلان على مساحة تقارب أوكتافين بكامل الارتياح، مع قدرة نادرة على النزول إلى طبقات منخفضة جدّاً والصعود إلى أعلى الجواب، بل
وتسجيل حالات فريدة جمع فيها بين طبقتي التينور والباص في آن واحد معاً، كما في أغنية «يا صلاة الزين».
أمّا لونه الغنائي، فقد ارتبط بالبيئة الجبليّة السوريّة، وفرض حضوره بقوّة عبر تعاون طويل مع الملحن عبد الفتاح سكر، ثمّ مع كبار ملحني العالم العربي، الذين تركوا له
مساحات واسعة لإبراز خصوصيّة صوته. وقد غنّى فهد بلان مختلف القوالب الغنائيّة من الأغنية الشعبيّة إلى القصيدة والموشّح والأنشودة الوطنيّة وغيرها.

إلى جانب الغناء، شارك فهد بلان في بطولة عشرة أفلام سينمائيّة، ومسلسل تلفزيوني لبناني، مما عزّز حضوره الجماهيري عربيّاً، ليُمنح بجدارة لقب سفير الأغنية السوريّة إلى
العالم العربي.
ويخلص عماد بلان إلى أنّ اختزال تجربة فهد بلان في سطور قليلة يُعدّ ظلماً لتاريخه الفنّي، إذ إن إرثه الغنائي والصوتي يشكّل ركناً أساسيّاً من أركان الفنّ العربي الحديث،
وسيبقى حاضراً في الذاكرة الثقافيّة العربيّة لأجيال قادمة.

