رحيل هدى شعراوي … ذاكرة دمشقية تُغتال في بيتها
استيقظت العاصمة دمشق على خبر صادم، تمثّل بالعثور على الفنّانة السوريّة القديرة هدى شعراوي متوفاة داخل منزلها في حيّ باب السريجة الأثري، في حادثة أثارت حالة واسعة من الحزن والذهول في الأوساط الشعبيّة والفنّيّة على حدّ سواء، لما تحمله هذه الشخصيّة من قيمة فنّيّة وإنسانيّة راسخة في الذاكرة السوريّة.
تحقيقات جارية وملابسات غير مكتملة
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المغدورة اغتيلت في وقت متأخر من الليل أو مع ساعات الفجر الأولى، حيث عُثر على شعراوي داخل شقّتها في ظروف وُصفت بالغموض، ما استدعى فتح تحقيق رسمي من قبل الجهات المختصّة لكشف ملابسات الوفاة وتحديد المسؤوليّات.
وتشير روايات متداولة إلى وجود شبهات جنائيّة، إضافةً إلى تداول أسماء قيل إنها قيد الاشتباه، إلا أن هذه المعطيات تبقى في إطار المعلومات غير المؤكدة بانتظار ما ستصدره الجهات المعنيّة من نتائج رسميّة، حرصاً على دقّة الخبر واحترام مسار العدالة.
داية الدراما الشاميّة … وجه الألفة والطمأنينة
لم تكن هدى شعراوي ممثلة تؤدّي أدواراً ثانويّة، بل شكّلت على مدى عقود ملامح الألفة في الدراما السوريّة، واشتهرت بأدوار الداية أم زكي، والمرأة الدمشقيّة الحكيمة التي تجمع بين الحنان والقوّة، وتختصر روح الحارة الشاميّة.
أطلّت على الجمهور في أعمال رسخت في الوجدان مثل أيّام شاميّة، الحصرم الشامي، بيت جدي، نهاية رجل شجاع، تاج، عيلة 7 نجوم، بقعة ضوء، وأحلام أبو الهنا، وحيث كانت حضوراً ثابتاً يبعث الطمأنينة، حتّى بات وجهها جزءاً من ذاكرة المشاهدين داخل سوريا وخارجها.

مسيرة فنّيّة تمتدّ لأكثر من ستّة عقود
وُلدت هدى شعراوي في العام 1938 في حيّ الشاغور الدمشقي، وبدأت مسيرتها الفنّيّة من إذاعة دمشق، قبل أن تنتقل إلى المسرح والتلفزيون، لتصبح لاحقاً واحدة من الركائز الأساسيّة في الدراما السوريّة، كما كانت من المؤسسين الأوائل لنقابة الفنّانين السوريين.
على مدار أكثر من ستين عاماً، قدّمت فنّاً اتسم بالبساطة والصدق، بعيداً عن الاستعراض، معتمدةً على الحضور الإنساني والقدرة على تجسيد تفاصيل المرأة الشاميّة كما عاشت في الذاكرة الشعبيّة.
حياة خاصة بعيدة عن الأضواء
بعيداً عن الكاميرات، عاشت الراحلة حياة هادئة ومتحفّظة. تزوّجت في سن مبكرة من خارج الوسط الفنّي، وابتعدت عن الحياة الاجتماعيّة الصاخبة، مكتفيةً بدائرتها العائليّة الصغيرة، ولا سيّما ابنتها الوحيدة لينا، التي كانت تصفها دائماً بأنّها رفيقة العمر وسرّها الدائم.
وعلى الرغم من شهرتها، بقيت مرتبطة بالمدينة التي ولدت فيها وترعرعت، نشاهدها بين الحين والآخر في مناسبات لا نتوقع ظهورها فيها، فتشارك الجميع وتتبادل النكات والضحكات معهم، وتحاول أن تفرض شخصيّتها من دون أن تثقل على الآخر سواء كان صغيراً أم كبيراً.
بيت أحبّته … وكان شاهداً على رحيلها
المفارقة المؤلمة أن المنزل الذي تمسّكت به هدى شعراوي واعتبرته ملاذها الأخير، كان المكان الذي شهد رحيلها الصادم. رحيل لم يكن متوقعاً، وترك أسئلة مفتوحة وحزناً عميقاً في قلوب محبيها وزملائها.

تاريخ وحضور يُسجل …
لا بدّ من التذكير بأن الفنّانة القديرة هدى شعراوي ستحضر في رمضان 2026 عبر مسلسل عيلة الملك، فيما رأيناها عبر عدّة أعمال سابقاً وقد ارتبط اسمها مع المخرج محمد عبد العزيز في مسلسلات ليالي روكسي 2025، والنار بالنار 2023، وشارع شيكاغو 2020، وغيرها، وعلى الرغم من سيطرة شخصيّة أم زكي داية الحارة الشامية في مسلسل باب الحارة على باقي الشخصيّات التي قدّمتها الراحلة إلا أننا لن نغفل أهمّيّة حضورها ككوميديان سوري مميز في العديد من الأعمال الكوميديّة السوريّة، ناهيك عن مشاركاتها التي تفوق عدداً المئة وخمسة عشرة عملاً تنوّعت بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة.
خسارة تتجاوز الفن
باغتيال هدى شعراوي، لا تخسر الدراما السورية فنّانة فقط، بل تفقد جزءاً من ذاكرتها الحيّة، وملامح امرأة جسّدت روح دمشق على الشاشة كما في الحياة. ويبقى الأمل معقوداً على أن تكشف التحقيقات الحقيقة كاملة، وفيما يبقى الحزن سيّد المشهد في مدينة ودّعت واحدة من بناتها الوفيات، تُستثار إشارات الاستفهام حول الجريمة التي تلوّن المشهد فهل الدلالة فقط مقتل فنّانة قديرة لأسباب مجهولة؟ أم هي اغتيال لماضي وهويّة وذاكرة يا ترى؟!

