بين التجربة والذاكرة، وبين السينما كفنّ والدراما كحياة، يُطلّ الفنّان الجزائري عبد الباسط بن خليفة بوصفه أحد الأسماء التي تنقّلت بهدوءٍ وعمقٍ بين ضفّتي المشرق والمغرب العربيين. ممثّل عرفه الجمهور العربي منذ سنوات عبر مشاركته في أعمال الدراما العربيّة والسوريّة، وكان قبلها يرسّخ حضوره الخاصّ في المشهد الفنّي الجزائري، بأداء يتكئ على الصدق الداخلي والبناء الهادئ للشخصيّة.
في الدورة الثامنة من مهرجان السويداء للأفلام القصيرة، التي حملت اسم دورة المخرج المسرحي والأديب الراحل غسان الجباعي، عاد عبد الباسط بن خليفة إلى سوريا، ولكن هذه المرّة من موقعٍ مختلف، كعضو في لجنة التحكيم، مشاركاً بخبرته الفنّيّة ورؤيته الجماليّة في تقييم تجارب سينمائيّة شابّة تبحث عن لغتها الخاصّة وسط عالمٍ مضطرب.
في هذا الحوار مع جدل نيوز، يتحدّث عبد الباسط بن خليفة عن تجربته في مهرجان السويداء، وعن السينما القصيرة وهمومها، كما يستعيد محطّاتٍ من مسيرته الفنّيّة بين الدراما السوريّة والفنّ الجزائري، ويتوقف عند أسئلة التمثيل، والهويّة، ودور الفنّ في زمن القسوة.
بدايةً، كيف تقيّم مشاركتك كعضو لجنة تحكيم في مهرجان السويداء للأفلام القصيرة بدورته الثامنة؟ وما الذي ميّز هذه التجربة بالنسبة لك؟
بكلّ صراحة؛ أنا سعيد جدّاً بمشاركتي كعضو في لجنة التحكيم في مهرجان السويداء للأفلام القصيرة، وعلى وجه الخصوص الطبعة الثامنة منه، وخاصّةً في مدينة السويداء … السويداء الإبداع، السويداء الأصالة، السويداء الجمال … أنا سعيد جدّاً.

جميع المشاركين استحقوا الفوز
ما انطباعك العامّ عن مستوى الأفلام المشاركة هذا العام، سواء من حيث الفكرة أو المعالجة الفنّيّة؟
حقيقةً لم أرى أفلام الطبعة السابقة، أو ما سبق منها، ولكن في الطبعة الثامنة استمتعت كثيراً بهذه الأفلام القصيرة والجميلة والمتميّزة، التي أبدع فيها صُنّاعها بخيالهم، ومن دون مجاملة كانت جميعها متميّزة، وكان من الصعب علينا كلجنة تحكيم تقييم وإعطاء الجائزة لمن يستحقها، لكن برأيي كلّ واحد من المشاركين يستحق الفوز.
هل شعرت بوجود هويّة أو ملامح خاصّة للسينما السوريّة أو العربيّة في الأفلام المعروضة ضمن المهرجان؟
أقول بكلّ ثقة لدينا جيل يبشّر بالخير، وجيل مبدع، فالشباب لدينا يوظّفون التكنولوجيا بطريقة جيّدة، وعلى سبيل المثال فلميّ الأنيميشن، ZOO من الأردن، وغميضة من فلسطين، اللذان كانا مُفاجئة، وقد رغبت أن يأخذا كلاهما جائزة، لأنّ هذا الصنف يُعدّ جديداً علينا في العالم العربي، ويوميّاً هناك تطوّر في هذا المجال، ولهذا جاء التنويه على هذين الفيلمين من قبل لجنة التحكيم مجتمعةً.
لجنة التحكيم دائماً تكون أمام قرارات صعبة، ما المعايير الأساسيّة التي اعتمدتم عليها في اختيار الأعمال الفائزة؟
بالتأكيد كلجنة تحكيم نحن أمام قراراتٍ صعبةٍ، وسؤال من يأخذ الجائزة، حملنا مسؤوليّة صعبة كثيراً، فالشباب المشاركين متميّزين جدّاً، وأنا شخصيّاً أتمنّى لهم كلّ التوفيق والنجاح، فقد كانت الأعمال جيّدة ومتميّزة، وخاصّة جائزة أفضل مُخرج وفيلم SHE IS VISITING ME كما أن سيناريو الفيلم كان مهمّاً جدّاً، فهذا كلّه يعتمد على الخيال سواء مساحة الإخراج أو مساحة السيناريو، وحتّى مساحة الممثّل كذلك الأمر.
كيف ترى أهمّيّة مهرجانات الأفلام القصيرة، مثل مهرجان السويداء، في دعم السينما المستقلّة واكتشاف المواهب الجديدة؟
كلّ التوفيق لهذا المهرجان، مهرجان السويداء للأفلام القصيرة، فهو خطوة مهمّة جدّاً، ويُشجع الكثير من الشباب في حقل السينما.

الجيل الجديد لديه رؤياه الخاصّة
بصفتك فنّاناً جزائريّاً، كيف تنظر إلى التقاطع والتقارب بين التجارب السينمائيّة في الجزائر وسوريا وبقيّة الدول العربيّة؟
أنا أكرر أن الشباب يبشر بالخير، والجيل الجديد يختلف عن الجيل القديم، وأجدهم يقدّمون رؤية جديدة، ورؤى سينمائيّة جديدة، ومع ظهور التكنولوجيا والتطوّر، بات من الواضح أن الأفق ازداد مساحة وهناك من يستثمر هذه الفرصة.
ما النصيحة التي توجهها للممثّلين الشباب الذين يخوضون تجاربهم الأولى في الأفلام القصيرة؟
من المعروف أن هناك أكاديميّة خاصّة في إعداد الممثّل في سوريا، هي المعهد العالي للفنون المسرحيّة، وهو معهد متميّز، يهتم كثيراً بالارتباط بين السلوك الخارجي والشعور الداخلي لدى الممثّل، وبالوحدة الفيزيولوجيّة والسيكولوجيّة، وعندما يصقل الممثّل موهبته عبر الثقافة والتعلّم فبالتأكيد سيجد من تلقاء ذاته تطوّراً، ولذلك أتمنّى من كلّ الشباب أن يلتحقوا بهذه الأكاديميّة وسيلقون التوفيق والنجاح بعدها.

لك تواجد وحضور في الدراما السوريّة عبر عدّة من الأعمال، ماذا تعني لك هذه المشاركات، وهل من حضور متجدد فيها؟
أنا سعيد جدّاً، فيما يخصّ وجودي وحضوري في الدراما العربيّة، وممتن لجميع الزملاء الذين عملت معهم، وكانت البدايات في العام 2004 من خلال عمل تاريخي ضخم، وكان باللغة العربيّة الفصحى، ومنه بدأت انطلاقتي في المشرق العربي عبر العمل في الأعمال التاريخيّة، وكذلك في الأعمال المعاصر، سواء في سوريا والأردن، وجاءت آخر مشاركاتي كضيف شرف في مسلسل رياح الخماسين للمخرج الراحل هشام شربتجي، وهو قامة من قامات الفنّ والسينما في الوطن العربي، أيضاً كان لي تجارب مع مجموعة مميّزة من المخرجين في سوريا، أمثال المخرج سامي جنادي، والمخرج فراس دهني وغيرهم.
أخيراً، حضورك في لوكيشنات التصوير أكثر بكثير من اللقاءات في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ما الهدف وما الرسالة من ذلك؟
نعم هذه هي قناعتي، فأنا قليل الظهور في البرامج التلفزيونيّة واللقاءات الصحفيّة عموماً، وأحبّ البقاء في لوكيشين التصوير، فهو المكان المقدّس بالنسبة لي، ولأيّ فنّان، ولا يغريني الظهور الزائد والانتشار لهدف الانتشار، فأنا غير مؤمن به، بل أؤمن بالاحترافيّة، والاجتهاد، والعمل، وهذه القناعة وجدت لدي قبل أن يكون هنالك وسائل تواصل اجتماعي واستمرت.

