الرئيسيةالرئيسةدينا هارون ... ممثّلة أحبّها الجمهور أكثر مما أنصفتها الدراما

دينا هارون … ممثّلة أحبّها الجمهور أكثر مما أنصفتها الدراما

لم تكن دينا هارون من أولئك الممثّلين الذين يحتاجون إلى عشرات السنوات كي يتركوا أثراً. سنوات قليلة كانت كافية لكي تدخل إلى ذاكرة المشاهد السوري، ثمّ تغيب مبكراً تاركة وراءها سؤالاً أكثر إيلاماً من سؤال الرحيل نفسه؛ ماذا كان يمكن أن تقدّم دينا لو امتدّت بها الحياة، واتّسعت أمامها المساحات التي تستحقها؟
بين عامي 2000 و2014 تقريباً، قطعت دينا هارون مسافة فنّيّة ليست طويلة زمنيّاً، لكنّها كانت غنيّة بما يكفي لتؤكّد أن الموهبة لا تقاس بعدد السنوات، وإنما بقدرة صاحبها على ترك علامة في الذاكرة.


من جمال الحضور إلى إثبات الموهبة
دخلت دينا هارون إلى الدراما محمّلة بعناصر حضور واضحة؛ ملامح جذّابة، عفويّة، وخفّة قادرة على الوصول سريعاً إلى الجمهور. لكن المشكلة التي تواجهها كثير من الممثّلات اللواتي يمتلكن هذا النوع من الحضور هي تحوّل الجمال إلى سقف بدلاً من أن يكون بوابة. لكن دينا استطاعت، ولو تدريجيّاً، تجاوز هذه المنطقة.
لم تكن قوّتها في الاستعراض أو في المبالغة الانفعاليّة، بل في التلقائيّة. كانت تعرف كيف تقول الجملة وكأنها لا تؤدّيها، وكيف تترك للشخصيّة مساحة كي تتنفس بعيداً عن الصنعة. وهذه ميّزة ليست بسيطة في التمثيل التلفزيوني، حيث يمكن للكاميرا فضح الممثّل الذي يعتمد على الشكل وحده.
«مرايا» … مدرسة الكاركتر واختبار المرونة
كان حضورها في سلسلة «مرايا» مهمّاً لجهة اختبار قدّرتها على تبديل الأقنعة والشخصيّات. فالكوميديا، خلافاً لما يعتقد البعض، ليست مساحة سهلة للممثّل. إنها تحتاج إلى إيقاع، ودقة في النبرة، ووعي بحركة الجسد، وقدرة على التقاط اللحظة قبل أن تتحوّل إلى مبالغة. وفي هذا النوع من الأعمال، أظهرت دينا أنها ليست أسيرة شخصيّة واحدة.
استطاعت الانتقال بين الكاركترات المختلفة، والتعامل مع الشخصيّة باعتبارها بناءً مستقلاًّ وليس امتداداً لصورتها الشخصيّة. وهذا ما منح تجربتها تنوّعاً كان يمكن أن يتطوّر أكثر لو حصلت على فرص أكبر.
الآنسة مايا … عبرها انتقلت دينا من الحضور إلى الشخصيّة
في «أيام الدراسة» ظهرت دينا هارون بصورة تؤكد قدرتها على التعامل مع شخصيّة لها ملامح اجتماعيّة وإنسانيّة واضحة. شخصيّة الآنسة مايا كانت حضور نسائي جميل في العمل؛ وكانت معلّمة تقف في منطقة دقيقة بين الحزم والتعاطف، وبين موقعها التربوي ومشاعرها الإنسانيّة.
هنا تحديداً بدا أن دينا تستطيع فعل شيئ أكثر من ملء الكادر. فقد كانت قادرة على جعل الشخصيّة محبوبة من دون دفعها إلى الاستعراض، وقريبة من الجمهور من دون افتعال. وربّما لهذا السبب بقيت الشخصيّة في ذاكرة متابعي العمل.

دينا هارون أيام الدراسة الآنسة مايا مرايا تعب المشوار أسياد المال الخط الأحمر بعد الغياب ربما لا لم تحصل الممثّلة الوقت الكافي سؤالاً أكثر إيلاماً


المشكلة لم تكن في دينا دائماً …
لكن قراءة تجربة دينا هارون نقديّاً تفرض علينا ألا نحمّل الممثّلة وحدها مسؤوليّة حدود تجربتها.
فالدراما السوريّة، في مراحل مختلفة، كانت تميل إلى تصنيف الممثّلين وفق صورتهم الأولى. الممثّلة الجميلة قد تجد نفسها في دائرة الشخصيّات الأنيقة، أو المرأة الشابّة، أو الدور المساند، حتّى لو امتلكت أدوات تسمح لها بالذهاب بعيداً.
وهذا ما يمكن أن نلمسه في تجربة دينا …
قدّمت أدواراً متنوّعة، منها المرأة القويّة أو المستغلّة كما في «أسياد المال» و«الخط الأحمر»، كما ظهرت في مساحات أكثر هدوءً ورومانسيّةً، ومنها «تعب المشوار». لكن هذه التنقلات لم تتحوّل إلى مشروع أدوار رئيسة متصاعد يضعها أمام اختبارات تمثيليّة أكبر.
وهنا يأتي السؤال النقدي الحقيقي: هل حصلت دينا هارون على الفرص التي تتناسب مع موهبتها؟
ربّما لا.
موهبة توقّفت قبل أن تبلغ مداها، والمؤلم في تجربة دينا هارون أن الحديث عنها اليوم لا ينطلق من سجل طويل، بل من سجل توقّف قبل أن يكتمل.
كان لديها الوقت لتثبت حضورها، لكنّها لم تحصل على الوقت الكافي لتكشف كلّ ما لديها.
وهناك فرق كبير بين ممثّل نجح في أدواره، وممثّل نعرف أنه كان قادراً الذهاب أبعد من تلك الأدوار. ودينا تنتمي، بالتأكيد، إلى الفئة الثانية. فهي لم تكن صاحبة مشروع تمثيلي مكتمل، وهذا ليس عيباً فيها بقدر ما هو نتيجة طبيعية لقصر تجربتها. لكن ما أنجزته خلال تلك السنوات يسمح لنا بالتساؤل عن المرحلة التي كان يمكن الوصول إليها لو استمرّت.
ربّما كنا سنراها في أدوار أكثر قسوة، وشخصيّات أكثر تعقيداً، ومساحات تراجيديّة تكشف جانباً آخر من أدواتها.
لماذا أحبّها الجمهور؟
دينا هارون كانت قريبة من الجمهور وقد نشأ علاقة بينهما بطريقة لا تفسرها الجوائز ولا حجم الأدوار.
ربّما لأن حضورها لم يكن متعالياً على المشاهد. كانت تمتلك تلك الخاصيّة النادرة التي تجعل الجمهور يشعر بأنه يعرف الممثّل، حتّى لو لم يعرفه شخصيّاً. العفويّة لديها كانت أسلوب أداء، وجسراً بينها وبين الناس.
ولهذا بقي اسمها حاضراً بعد الغياب، وبقيت شخصيّاتها قابلة للاستدعاء، على الرغم من أن عمرها الفنّي كان أقصر بكثير من أعمار فنّانين آخرين.

دينا هارون … أثر أكبر من السنوات
رحلت دينا هارون قبل أن تقول تجربتها الفنّيّة كلمتها الأخيرة. لكن قيمة الفنّان لا تقاس دائماً بما أنجزه فقط، بل بما يتركه من إحساس بأن هناك شيئاً لم يكتمل.
كانت ممثّلة تلقائيّة وذكية في التقاط مفاتيح الشخصيّة، امتلكت مرونة في الانتقال بين الكوميديا والدراما، ونجحت في تجاوز الصورة الأولى للممثّلة الجميلة إلى ممثّلة تمتلك أدواتها وحضورها.
وربّما كان أقسى ما في حكايتها أن الدراما السوريّة لم تمنحها الوقت الكافي كي نعرف إلى أين كانت ستصل.
دينا هارون لم تكن حالة مكتملة في الدراما السوريّة، لكنّها كانت موهبة واعدة تركت أثراً مكتمل الحضور في ذاكرة جمهورها.
عامر فؤاد عامر
جدل نيوز

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

Amer Fouad Amer على أسمهان تفضح القصبجي