قبل ظهور السينما والتلفزيون بوقت طويل، كان الناس يجتمعون في المقاهي والساحات لمشاهدة عروض مسرح الظلّ، حيث تتحرّك الدمى خلف شاشة مضاءة لتروي قصصاً ساخرة عن المجتمع والحياة اليوميّة. ومن أشهر شخصيّات هذا الفنّ الشعبي شخصيّتا كركوز وعيواظ، اللتان أصبحتا رمزاً للتراث المسرحي في المنطقة
فهذا الفنّ البسيط في شكله، كان يحمل في داخله روح النقد الاجتماعي والفكاهة الشعبيّة، ويعكس حياة الناس وهمومهم بطريقة قريبة من الجمهور.
شخصيّتان متناقضتان
يقوم هذا الفنّ أساساً على الحوار بين شخصيّتين رئيسيّتين:
كركوز، وهو الشخصيّة العفويّة البسيطة التي تتصرّف باندفاع وسذاجة أحياناً،
وعيواظ الذي يظهر غالباً أكثر حكمة وهدوءً، ويحاول أن يفسر الأمور أو يعلّق عليها بطريقةٍ ساخرة.
ومن خلال هذا التناقض بين الشخصيّتين، كانت الحكايات تُبنى على مواقف كوميديّة تتخللها رسائل اجتماعيّة مبطّنة.
فنّ شعبي في المقاهي والأسواق
انتشرت عروض كركوز وعيواظ في المدن القديمة، خصوصاً في المقاهي الشعبيّة والأسواق. وكان الناس يجتمعون لمشاهدة العرض الذي يقدّمه فنّان واحد غالباً، يقوم بتحريك الدمى وإعطاء الأصوات للشخصيّات المختلفة.
وقد كانت هذه العروض تحمل طابعاً ترفيهيّاً، لكنّها في الوقت نفسه كانت وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع بطريقة ساخرة، ما جعلها قريبة جدّاً من الناس.

جزء من الذاكرة الثقافيّة
مع تطوّر وسائل الترفيه الحديثة، تراجع حضور مسرح الظلّ تدريجيّاً، لكن شخصيّات كركوز وعيواظ بقيت جزءً من التراث الشعبي الذي يذكّر بمرحلة مهمّة من تاريخ الفنّ الشعبي.
فهذا الفنّ لا يمثّل وسيلة للضحك فقط، بل يعكس أيضاً روح المجتمع وقدرته على استخدام الفكاهة كطريقة للتعبير عن همومه اليوميّة.
التراث الذي يستحق العودة
ربّما تبدو عروض كركوز وعيواظ اليوم بسيطة مقارنة بما تقدّمه وسائل الترفيه الحديثة، لكن قيمتها الحقيقيّة تكمن في كونها فنّاً شعبيّاً نشأ من قلب المجتمع.
وبرأيي، فإن إعادة إحياء هذا النوع من الفنون يمكن أن يفتح الباب أمام اكتشاف أشكال فنّيّة تراثيّة تحمل الكثير من الإبداع والذكاء الشعبي. فبعض الفنون القديمة قد تبدو بسيطة، لكنّها تحمل في داخلها تاريخاً كاملاً من الحكايات والضحك والذاكرة الثقافيّة.

