فقدت الثقافة العربيّة، برحيل الكاتبة السوريّة كوليت خوري، صوتاً نسائيّاً مبكراً وجريئاً، كتب بصدق التجربة لا بترف الشعارات، وراهن على الاعتراف بوصفه شكلاً من أشكال الحريّة.
كانت كوليت خوري واحدة من الأصوات التي كسرت مبكراً صورة المرأة كموضوع لتقدّم المرأة الذات؛ امرأة تفكّر، ترغب، تخطئ، وتكتب نفسها بلا خوف.
ولدت خوري في بيت سياسي وثقافي، فهي حفيدة الزعيم الوطني فارس الخوري، أحد أبرز رجالات الاستقلال السوري. غير أن هذا الإرث لم يتحوّل عندها إلى عبء ظلّ ثقيل، بل إلى مادّة تأمّل وكتابة، كما تجلّى في مذكراتها عنه، حيث لم تقدّمه تمثالاً سياسيّاً، بل إنساناً من لحمٍ وذاكرة، جَدّاً حاضراً في تفاصيل الحياة. في تلك الصفحات، يتجاور الخاصّ والعامّ معاً، ويتحوّل التاريخ إلى حكاية عائليّة حميمة، مكتوبة بلغة شفّافة بعيدة عن الخطابيّة.

“أيام معه” والاعتراف بوصفه تمرّداً
عندما نشرت روايتها الأولى “أيام معه” مطلع ستينيّات القرن الماضي، أحدثت صدمة في الوسط الثقافي. النص حمل صخباً من حيث الحدث، وكذلك من جانب الجرأة النفسيّة، والبطلة في الرواية لا تنتظر تعريفاً من الرجل، بل تكتب تجربتها العاطفيّة من الداخل، بضميرٍ يعترف ولا يعتذر. في زمنٍ كانت فيه الكتابة النسائيّة تُحاصَر بوصاية أخلاقيّة ونقديّة، فجاءت كوليت عبر أيامٌ معه لتكسر السقف، لا عبر جرأة مجانيّة، بل عبر صدق عاطفي مكشوف.
من منظور نقدي، تقوم الرواية على تيار وعي رقيق، وعلى مونولوغات داخليّة تمنح القارئ إحساساً بالمشاركة في التوتر النفسي للشخصيّة. قد يؤخذ عليها أحياناً الميل إلى الاسترسال العاطفي، أو تكرار بعض الحالات الشعوريّة، لكن قيمتها التاريخيّة والأدبيّة تكمن في أنها فتحت الباب أمام كتابة أنثويّة تعلن رغبتها ولا تخفي هشاشتها.
“أيام مع الأيام” نضج التجربة واتساع الرؤية
في رواية “أيام مع الأيام” بدا صوت كوليت خوري أكثر هدوءً وأعمق تأمّلاً. والتجربة العاطفيّة حدثاً مرافقاً، وجزءً من سياق اجتماعي وزمني أوسع. بالتأكيد ثمّة وعي أكبر بتحوّلات العمر، وبالعلاقة بين الذاكرة والحاضر، فجاءت اللغة هنا أقلّ اندفاعاً، وأكثر اقتصاداً، وكأنّ الكاتبة تعيد النظر في ذاتها الأولى بعين أكثر نضجاً.
نقديّاً، يمكن القول إن هذا العمل يعكس انتقال خوري من كتابة الصدمة إلى كتابة التأمّل؛ من الرغبة في كسر المحظور إلى مساءلة معنى التجربة نفسها، وهو تطوّر طبيعي لكاتبة لم تتوقف عند نجاحها الأوّل، بل واصلت الحفر في طبقات الذات.
القصّة والقصة القصيرة … التقاط اللحظة
بدت كوليت خوري أكثر ميلاً إلى التقاط لحظة مفصليّة في حياة شخصيّة ما في مجموعاتها القصصيّة الكثيرة. وهذا ما نجده في “أنا والمدى”، “كيان”، “دمشق بيتي الكبير”، “المرحلة المرّة”، “الكلمة الأنثى”، “قصتان”، “دعوة إلى القنيطرة”، “امرأة”، “ستلمس أصابعي الشمس”، “في الزوايا حكايا”، وغيرها.

وعلى الرغم من إبداعها في عالم الرواية وبصمتها المتفرّدة، لكنّها غالباً ما تركت الحكايات مفتوحة على احتمالاتٍ متعددةٍ. القصّة القصيرة عندها ليست حكاية مكتملة بقدر ما هي ومضة شعوريّة، أو سؤال معلّق، كما نجد أن لغتها في هذا الجنس الأدبي تميل إلى التكثيف، مع احتفاظها بحساسيّتها العاطفيّة المعهودة.
مذكراتها عن فارس الخوري بين التاريخ والحميميّة
تتجلّى قدرة خوري على المزج بين السرد الشخصي والتوثيق التاريخي. وهذا ما نراه في ثلاثة أجزاء من الكتابة عن جدها فارس الخوري، لم تقع في فخ التمجيد الأعمى، بل رسمت صورة مركّبة لرجل دولة وإنسان في آن معاً، تأثّرت به الناس وما زالت تضرب به المثال الوطني إلى يومنا هذا. المذكرات أضافت بُعداً آخر إلى تجربتها، إذ تكشف عن وعي سياسي مبكر، وعن إدراك لدور الثقافة في صياغة الوعي الوطني.
إرث كوليت خوري ومعناه اليوم
لا بدّ أن فقدان الكاتبة كوليت خوري يعني خسارة شاهدة على مرحلة مفصليّة من تاريخ الأدب السوري والعربي. فكتابتها، بما لها وما عليها، تمثّل لحظة تحوّل في صورة المرأة الكاتبة.
قد يرى بعض النقاد أن تجربتها بقيت أسيرة الهمّ العاطفي، وأنها لم تنخرط بما يكفي في القضايا الاجتماعيّة الكبرى، لكن هذا الحكم يتجاهل أن الدفاع عن حقّ المرأة في التعبير عن عاطفتها كان بحدّ ذاته فعلاً سياسيّاً في زمنها.
تنوّع تجربتها بين الشعر بالفرنسيّة، والمحاولة في كتابة المسرح بالعاميّة، والتأريخ والكتابة للصحافة عبر المقالات وزوايا الرأي، والتجربة السياسيّة، وكلّ جوانب النشاط التي قامت بها لا يشير إلا إلى غنى حقيقي لشخصيّة سوريّة ثريّة بالكلمة والهمّ والطموح ورغبة التغيير.
كوليت خوري وداعاً
كانت كوليت خوري تكتب لتؤكد أن الاعتراف ليس ضعفاً، وأن السرد يمكن أن يكون مساحة للشفاء والمساءلة معاً. ومع رحيلها، يبقى أثرها في كلّ نصّ نسائي تجرأ على قول (أنا) بصوت عالٍ. إنها خسارة للمشهد الثقافي، لكنّها أيضاً مناسبة لإعادة قراءة أعمالها بعيداً عن ضجيج اللحظة، بوصفها جزءً من تاريخ أدبي لا يكتمل من دونها.

