أســـمهان … صاحبةُ السِّــتَّةِ والعِشرينَ ربيعاً خَلَقَت بصوتها الملائكيّ مساراً من الإبداعِ لا يعرفُ نهايةً ويثيرُ فُضولَ كلِّ مُستمعٍ، المعجزةُ التي مَضى على رحيلها أكثرَ من ثمانينَ عاماً تعودُ لأذهاننا مع كلِّ بَحثٍ واكتشافٍ جديدٍ في إرثِـها الفنّـيّ الثّريّ الذي قدَّمَتهُ خلالَ سبعِ سنواتٍ فقط، وينكشفُ لنا اليوم كنزٌ جديدٌ من كنوزِ أسطورةِ الغناءِ يثري أرشيفها الموثَّـقَ ويَفتحُ لنا أبواباً جديدةً من الأبحاث.
أسمهان التي درسَت في (( مدرسة القدّيس يوسف الظّـهور )) في العبّـاسيّـة – القاهرة، وهي مدرسةٌ عريقةٌ للراهباتِ تَضُمُّ طالباتٍ من جنسيّـاتٍ ودياناتٍ متعدّدةٍ، وكانت الدراسةُ تنتهي بشهادةِ التّعليمِ الأساسيّ (( Brevet )) والتي كانت تُمتَحَنُ حسبَ المَناهجِ الفرنسيّـةِ ثمّ تتزوّجُ الفتيات في معظم الأحيان بعد التّخرُّج.
كانت الرّاهباتُ صارِماتٍ في تعليمِ وتربيةِ الطّالباتِ وتُركّزنَ على تعليمهنّ عِدّةَ لُغاتٍ أجنبيّةٍ ما يُبيّنُ لنا سببَ طلاقةِ أسمهان باللغتينِ الفرنسيّة والإنجليزيّةِ منذُ طفولتها وهذا ما ساعدَها على التواصل مع قادة الحلفاء (( الفرنسيين والبريطانيين )) بعدَ زواجها العام 1933 واستقرارها في سوريا في زمنِ الانتدابِ الفرنسيّ.
لمْ تَغفَل راهباتُ المدرسةِ عن تنميةِ مواهبِ الطّالباتِ من غناءٍ في الكورال أو تمثيل المسرحيّات، وكانت هذه الفرصةَ الأولى لأسمهان لتُقلّدَ والدَتَها (( علياء المنذر )) وهي تُغنّـي في حفلاتِ السّيّداتِ وتُسجّلُ الأسطوانات.

في الصورةِ التي تَرونَها أعلى المقال نَجِدُ بعضَ الطّالباتِ تُقدّمنَ مسرحيّةً غنائيّةً على مسرحِ المدّرسةِ بتاريخ التاسعَ عشرَ من شهرِ أبريل العام 1931 وتظهرُ فيها أسمهان واقفةً في أقصى يمينِ الصورةِ وهي تبلغُ من العمرِ ثلاثةَ عشرَ عاماً، وكانت بطلةُ المسرحيّةِ هي الطالبةُ (( أولجا جرمانس )) التي تجلسُ فى المنتصف وتبدو أكبرَهُنّ، ولقد توفيت السيّدة أولجا العام 1978 وتركت بعضَ الصّورِ التّذكاريّةِ لدى أحفادِها الذينَ قالوا لي أنّ جدّتَهُم لم تذكُر معلوماتٍ أُخرى عن أسمهان لأنها لم تكن زميلتها في الصفّ نفسه.
والمعروفُ حسبَ أرشيفِ مجلّةِ (( الصّـباح )) أن المجلّةَ نَشَرَت أوّلَ مقالٍ عن أسمهان منتصف العام 1931 وذُكِرَت باسمها الحقيقي (( آمال الأطرش )) وأنها طالبةٌ في المدّرسةِ من عائلةٍ نبيلةٍ وتمتلكُ صوتاً جميلاً وتأخذُ دروساً في الغناءِ عند الموسيقار داوود حسني، وفي مقالٍ لاحقٍ نُشرَ نهايةَ العامِ ذاتهِ نقرأ أنّ (( أسمهان )) باسمها الفنّي سجّلَت ثلاثةَ أغنياتٍ لصالح شركة (( كولومبيا )) وهنا كانت أسمهان قد تركت المدّرسة.
أمّا تلكَ المدرسةُ العريقةُ فهيَ قائمةٌ حتّى الآن قربَ ميدانِ الطّرابيشي في العباسيّة إلّا أنّ إدارتها الفرنسيّةَ في ذلكَ الوقتِ أصبحت الآن راهباتٍ مصريّاتِ الجنسيّةِ.
بقلم الباحث والموثق: يوسف يوسف

