ظهرت في القرن الماضي مطرباتٌ عربيّاتٌ تمتّعنَ بأصواتٍ عظيمةٍ خالدة إلى يومنا هذا، واشتُهرت بعضُهنّ بارتباطها الفنّـيّ مع أحد الملحنين أو الشعراء فتحوّلت ثنائيّاتهما الفنّيّة إلى قِصّةِ حبٍّ خالدة أو زواج فاشل !
كان أوّلها وأشهرها قصّة حبّ الشاعر أحمد رامي للمطربة أم كلثوم، ولطالما استوحى قصائدهُ من مشاعره الجيّاشةِ نحوها، ولم يتوَّج هذا الحبّ بالزواج، على عكس الارتباط الفنّي الذي جمع فيروز وعاصي الرحباني بعلاقة زوجية كانت فيروز ضحيّتها، كما حصل أيضاً مع المطربة وردة الجزائريّة وبليغ حمدي.
لكن ما يجهله القارئ أنّ أسمهان كانت أيضاً فتاة أحلام الشاعر الكبير يوسف بدروس، وربطته بها قصّة حبّ كبيرة تكاد تكون من طرفه فقط! وهي تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ علاقة أحمد رامي وأم كلثوم، لكن قصّة أسمهان وبدروس جهلها الصحافة والمؤرّخون كما تغافل عنها المسلسل الذي عرض حياة أسمهان، ولم يذكرها أحد حتّى الآن.

وأمّا بالعودة إلى أرشيف مجلّة ” الجامعة ” التي كانت تصدر في مصر مطلع ثلاثينيّات القرن الماضي، نكتشف تفاصيل هذا الحبّ الكبير الذي كنّا نجهله، حيث نجد في المجلّة مقالاً صادراً في الثاني والعشرين من ديسمبر 1932 تحت عنوان :
)) غرام شعراءنا الشباب بالراقصات والمطربات ((
ويبدأ الكاتب مقاله بالحديث عن أحمد رامي وحبّه الكبير لأم كلثوم وقصائده التي ينظمها في مناجاتها، ثمّ يتطرّق الكاتب للشاعر يوسف بدروس وحبّه لأسمهان، فيقول: “لعلّكم قرأتم كثيراً من أشعار يوسف بدروس وسمعتموها من المطربة التي اختصّ بها – الآنسة أسمهان – فتقولون أنه يحبّها وهذا حق ويناجيها في أغانيه ويقول {{ كنت الأماني من زمان من قبل ما تشوفك عيوني }} ولكنّك تدهش أيضاً إذ تعرف أنه يحبّ حبيبةً أخرى وهي – الراقصة امتثال – ولا ندري كيف أنه امتثل إلى هواها فهو يحبّ أسمهان حبّاً عزيزاً إلى قلبه ملؤه الحنان والرقة والطهر، ويناجيها في كثير من أغانيه ويحبّ الراقصة امتثال حبّاً ملؤه الوجد والحنين في عطف بريء وغرام عفيف.”

ثمّ بعد هذا المقال بأيّام أرسل بدروس مقالاً لمجلّة الجامعة، نشرته في الثامن والعشرين من ديسمبر تحت عنوان (( كيف لحنت أغنيتي الأولى )) ونصّه: “نظمت ذات يوم أوّل أغنية لي {{ يا نار فؤادي }} وما أن أنهيتها حتّى بدأت بنظم مونولوج {{ تعالي شوفي الأسية يمكن تحني عليا }} وفي يوم مررت على شركه كولومبيا عام 1930 وعرضت على مديرها بعض الأغاني فأعجبته وقال أنه سيخصّ بها مطربتهُ الأولى التي لم يتم الاتفاق معها بعد، حتّى أنه أخفى عني اسمها! ومررت عليه بعد أسبوع فقابلني باسماً وقال إنه انتهى أمس من الاتفاق معها وسيعرض القِطع على الملحنين لها، فوصل الأستاذ فريد غصن وعرّفه مدير الشركة بي وأعطاه المنظومات وما كاد غصن أن يقرأها حتّى صاح بي: هيا بنا! وسرت معه لا أعرف إلى أين ولكن كان يخالجني شعورٌ جميل ومررنا على منزلهِ وأخذ عودهُ وتابعنا السّير حتّى توقفنا أمام منزل كبير في حيّ الظاهر سمعت منه غناءً شجيّـاً ودخلنا فقابلني فتى بترحاب كأني صديق قديم له !

وجلستُ حائراً أراقب النتيجة حتّى عرفتُ أنني في منزل المطربة الأولى الجديدة لشركة كولومبيا ولم أعرف اسمها بعد، ثمّ دخلت فتاة وديعة لها فتنةٌ ساحرة وجمالٌ أخّاذ وما لمحتها حتّى عرفت – وأنا ممّن يثقون بحديث القلوب – أنه سيكون لي معها شأن كبير وقدّمني إليها أخاها وقدّمها إلي وقال: الآنسة أسمهان .
وبعد قليل رجوتها أن تطربنا قليلاً، فأخذت تغنّي {{ اللي حَبِّك يا هناه }} ولا يمكن أن أصف ما شعرت به فقد كنت مأخوذاً تماماً بصوتها العذب الحنون، وعرض عليها الملحّن منظوماتي؛ والغريب أنها اختارت أوّل ما نظمت أنا {{ يا نار فؤادي }} !
وبعد يومين سمعتُ منها الأغنية وأنا في حال غريب وشعور غامض لا أدري أهو فخر أو إعجاب أو غرام أو مزيج من الثلاث !؟ وأنا واثقٌ أنّي لو لم أجد هذه المطربة لما اندفعت بحماس لنظم سائر الأغاني، وما مضى أسبوع حتّى نظمت مونولوج {{ اسمع البلبل يغني }} واقترب وقت التعبئة فأعطيت للأستاذ القصبجي {{ كنت الأماني من زمان }} ثمّ {{ كلمه يا نور العيون }} ثمّ {{ في يوم ما أشوفك }} وغيرها، وكان أوّل ما عُبّـئ هو أوّل ما نظم وأوّل ما لُحِّن {{ يا نار فؤادي }} …”.
بالعودة إلى قصائده كان جلّ ما ينظمهُ الشاعر بدروس هو ترجمةٌ لمشاعرهِ نحو أسمهان، وتجلّى هذا في أسلوبه ومفرداته الشعريّة.

فنقرأ من نظمه قصيدة ” عينيكِ تحيي الأماني ” التي نشرتها المجلّة في الثامن من ديسمبر 1932 ومطلعها :
” عينيكِ تحيي الأماني والسحر منها حلال
وحسن كله معاني يحتار في وصفه الخيال “
وفي الخامس عشر من ديسمبر 1932 نشرت الجامعة مونولوج {{ كنت الأماني }} شعر يوسف بدروس وتلحين القصبجي وغناء أسمهان .
ثمّ نجد في الخامس من يناير 1933 مونولوج آخر بعنوان {{ أعيش بحسك في الدنيا }} ويقول فيه :
(( حييت بِحُبك من تاني ورويت فؤادي وآمالي ! ))
وهنا نلاحظ استخدامه المتكرر لهذه المفردة فتكاد قصائده لا تخلو من كلمة (( أمل أو آمال أو آمالي )) فهو كان يخاطب أسمهان باسمها الحقيقي ” آمال ” وهذا ما يؤكده في قصيدة رثائها .
سبَّبَ زواجُ أسمهان السريع المُفاجئ جرحاً كبيراً في قلب بدروس، وكانت قد بدأت بوادر ذلك الزواج تتبلور أمامه منذ بداية العام 1933 حينما علم بسفر شقيقها فؤاد إلى السويداء في أوّل يناير العام 1933 لإتمام زواج أسمهان وابن عمها حسن الأطرش أمير جبل الدروز، بعدها فسخت أسمهان عقدها مع ماري منصور الذي وقّعته بتاريخ العاشر من نوفمبر 1932 ثمّ تركت أسمهان العمل في الصالة لأسباب مادّيّة بحسب ما أعلنت مجلّة الجامعة في عددها الصادر في السادس والعشرين من يناير 1933.
لكننا نقرأ في عدد المجلّة الصادر في التاسع عشر من يناير 1933 عن زيارة الأمير حسن الأطرش قبل أسبوع إلى مصر وأنه نزل في ” فندق ناشيونال ” بشارع سليمان باشا، وأنه مرّ بالصدفة أمام صالة ماري منصور فسمع غناءً جميلاً، لكن من يرافقه كان حريصاً على ألّا يعلم الأمير أن ابنة عمّه أسمهان التي تغني في الصالة!
في هذا دليل أن أسمهان لم تترك عملها في صالة ماري منصور لأسباب مادّيّة، بل لأن الأمير زار مصر بهدف طلب يدها من والدتها، ومن المؤكد أنه علم بموضوع عقدها مع ماري منصور فطلب منها نقضه.

أمّا بدروس فكان على علمٍ باقتراب موعد زواج أسمهان فنظم قصيدتين حزينتين نشرتهما “الجامعة” في الثاني عشر من يناير 1933.
الأولى بعنوان: (( آخر ما بيني وبينها )).
والثانية بعنوان: (( ياما بكيت في فؤادي )).
وكانت “الجامعة” تواكب قصائد بدروس باستمرار فنشرت في الخامس عشر من فبراير 1933 قصيدته بعنوان: ((يا ريتني ما عرفتك عمري)).
وقد كتبها بدروس من ردّة فعله السلبيّة على اقتراب زواج أسمهان واعتزالها الفنّ ومغادرتها مصر.
لقد أعلنت “الجامعة” في شهر مارس العام 1933 خبر زواج أسمهان ((التي أصبحت الأميرة آمال الأطرش))، وانتقالها مع ابن عمها إلى إمارتهما في جبل الدروز للعيش في سوريا.
وظلّت الشائعات التي أطلقتها “الجامعة” في أعدادها السابقة تلاحق بدروس حول غرامه بأسمهان أو الراقصة امتثال، ولكنّه ردّ على الشائعات بمقالٍ نُشر في المجلّة ذاتها بتاريخ التاسع عشر من أبريل 1933، فكتب المحرر: “تلقينا كلمة من الشاعر يوسف بدروس يعتب فيها على المحرر، ويؤكد أنه لم تكن له في يوم من الأيّام علاقة براقصة معيّنة، وأن كلّ ما كتبه من الشعر لم يكن يرمي إلا لإشباع رغبة فنّيّة فقط”.
أمّا بدروس فتجنّبَ هنا ذِكر أسمهان، وتغافل عن الردّ على اتهام محرر الجامعة له سابقاً بعلاقة حبّ جمعته بها، ولم يأت على ذكرها أبداً في المجلّات بعد زواجها، لكنها لم تغِب عن أشعاره، وكان غالباً ما يستخدم مفردة ((الأمل)) ويتغزّل بعيون حبيبته وصوتها الجميل، ويكتب عن البعد والفراق ومناجاة الحبيب من بعيد.
وليس بالغريب أن نشاط بدروس الفنّي بدأ بتراجعٍ ملحوظ بعد زواج أسمهان، إلى أن عادت إلى مصر في زيارة قصيرة العام 1936 فكانت بمثابة أمل جديد له.
فنقرأ له قصيدة لحنها “مدحت عاصم” نُشرت في الجامعة بتاريخ الثالث والعشرين من يناير 1936،
بعنوان {{دموعي}} يقول فيه: ((حُبّك آمالي ورضايا صدّك آلامي وشقايا)).

ثمّ يناجيها بقصيدة نظمها باللغة الفصحى نشرتها المجلّة بتاريخ 30 يناير 1936 بعنوان ((الدنيا)) يقول فيها:{{ وعيناك الساحرتان تناجيهما عيني
كما أنظر الى البدر الساطع المنير
وصوتك الحلو يرد على شكوتي
كالطير يغني للطير الأليف }}

وكم عانى الشاعر مرارة الانتظار لرؤية حبيبته فكتب قصيدة بعنوان: {{ حلم }} نشرتها الجامعة بعددها الصادر في الثالث عشر من فبراير 1936، ومطلعها :
{{ اذكُري قبلَ المنام أعيُناً ليست تنام }}

ثمّ نظم قصيدة {{الليل}} التي لحنها فريد غصن، ونشرتها المجلّة في السابع والعشرين من فبراير 1936، فيقول :
{{ ياما كتمت الغرام ورضيت في حبي الآلام
وكل ما أنوي عتابك أقول لروحي حرام }}

في الخامس من مارس 1936 نشرت مجلّة الجامعة قصيدة {{الوداع}} نظم يوسف بدروس، وتلحين فريد غصن، يصف فيها لحظة وداعه لأسمهان حين انتهاء زيارتها إلى مصر قبل عدّة أيّام، ومطلعها:
{{ودعت حلمي الجميل ساعة وداعنا وفراقنا}}

ثمّ يناجيها مجدداً بقصيدة {{الأمين}} التي نشرتها الجامعة في الثاني من أبريل 1936، فيقول :
{{ ياما سهرت الليل وحيد لما بعد عني الحبيب
ما ليش نديم غير الهموم وكنت فاكر حظي يدوم
ما لقيتش ليا معاه نصيب }}

ثم نظم قصيدة بعنوان {{قلب كسير}} نشرتها “الجامعة” في عددها الصادر بتاريخ 16 أبريل 1936 ومن أبياتها:{{ يلي خيالك نديمي في وحدتي وأسايا
أعيش أصور في بالي عهد الهنا والوداد
واذكر جميل الليالي وأشكي آلام البعادبانــــــــت عـــليَّـــــــا ذُلّــــــــــة عـــيـنـيـّا وقلبي بعدك كسير }}

ونقرأ هنا مقالاً مهمّاً يوضّح مُلابسات علاقة يوسف بدروس وأسمهان، تحت عنوان: “الحبّ في نظر شعراء الأغاني”.
نشرته الجامعة بتاريخ 30 أبريل 1936، ونصّه: “إنّ الجميع يعرفون أغاني أحمد رامي إنما وضعت عن عاطفة الشاعر نحو المطربة النابغة أم كلثوم، ويجب أن يعرف الجميع عن العاطفة التي من أجلها وُضعَت أغاني يوسف بدروس وهي لا يعرفها إلا القليلون من أصدقاء الشاعر، ولِما كان يوسف بدروس خياليّاً لدرجة كبيرة ما كاد يقع بصرهُ على مطربة ناشِئة كانت قد ظهرت فجأة اسمها “أسمهان” تعيش الآن حياة زوجيّة هانئة مع أحد أمراء جبل الدروز، حتّى خُيِّلَ له أنها وحي آماله وأنها فتاتهُ المنتظرة فوضع لها قطعة رائعة قام بتنغيمها الملحن المعروف “محمد القصبجي” بعنوان ((كنت الأماني)) ملأتها المطربة على أسطوانة، وهي تذاع كثيراً في محطّة الإذاعة المصريّة، ولما كانت هذه المطربة من فتيات عائلة شرقيّة كبيرة أسرع أهلها بأخذها إلى جبل الدروز وعقد قرانها على أحد أمراء هذه البلاد فتأثّر بدروس لذلك، وأصبحت جميع أغانيه عن الحبيب الراحل مثل أغنية ((الشريد)) التي بدأها بقوله:
((ما عادش في الكون جمال من يوم ما فارقه جمالك
ولا بقت لي آمـــــــال من يوم فراقي لخيالك))
وأصبحت أغانيه جميعها من هذا النوع إلى أن حضرت أسمهان هذا الشتاء إلى مصر لقضاء بضعة أيّام تشاهد فيها المعرض الذي أقامته الجمعيّة الزراعيّة الملكيّة، وكان بدروس يرافقها في جميع نزهاتها إلى أن انتهت مدّة إقامتها في مصر، وبعد عودتها إلى بلادها وضع لها بدروس قطعة شعريّة أطلق عليها اسم ((ساعة الوداع)) نشرناها في العدد السابق يبدأها بقوله:
((صعب علي أشوفك ساعه ودعنا وبعادك
مقدرش أشاهد بعيني فراق آمالي وهنايا))
ولقد سمعنا أحد المطربين يغنّي هذه القطعة مساء الإثنين الماضي بالراديو”.

ثمّ أطلق بدروس قطعته التالية بعنوان ((التضحية)) التي نُشرت في العدد الصادر بتاريخ 12 مايو 1936، فسجلتها أسمهان بعد عامين لصالح شركة “بيضافون” ومطلعها: {{نويت أداري آلامي وأخبي دمعي ونحيبي}}.

وفي الرابع والعشرين من سبتمبر 1936، نشرت قصيدته بعنوان ((اللقاء الأوّل))، ومطلعها :
((أعزّ أيّام عندي يوم ما تقابلنا يا روحي
كنت المنى والآمال من قبل ما العين تشوفك))

وننتقل في أرشيف مجلّة الجامعة إلى عددها الصادر في الخامس عشر من أكتوبر 1936، لنجد قصيدة أُخرى لبدروس بعنوان ((دلال)) فيقول:
((لكن أعيش بالأمل وحتّى إن كان بعيد))
فنجده هنا يبوح مجدداً بحبّه لآمال رغم غيابها الطويل.
إلى أن نقرأ قصيدته ((عتاب الحبيب)) التي نُشرت في الثامن من يوليو 1937، ثمّ نشرت له الجامعة بتاريخ الخامس عشر من يوليو قصيدة بعنوان ((تحيّة)) ومن أبياتها :
((فين حبيبي عشان أسلم عليه
واحكي له شوقي لوصاله))

ثمّ أصدرت المجلّة في السادس عشر من يونيو 1938 مقالاً مطوّلاً عن حالة يوسف بدروس الغراميّة، وأنه كثير الحبّ والإعجاب بالفتيات، فسرعان ما يتحوّل إعجابه من فتاة إلى فتاةٍ أُخرى لأنها لا تتطابق مع ما يرسمهُ في خياله عن فتاة أحلامه، فيقول في شعره:
((فين الحبيب اللي يشبه حبيب خيالي ومنامي
وأتمنى أحقق آمالي تطول عليّ الأسيّة))
فنجد اسم آمال يتكرر لدينا مجدداً. وفي الثالث عشر من أكتوبر 1938، نشرت الجامعة قصيدته بعنوان ((المحبّ الامين)) يقول فيها :
((يا ريت تكون لي نصيب يا ريت حبّي تصون
تهواك جميع الأحبّة لكن قربك خيال))
وفي هذا العام عادت أسمهان بقوّة إلى الساحة الغنائيّة، وشرع بدروس بنظم قصائد خصيصاً لصوتها الساحر، وأهمّها {{فرّق ما بينّا ليه الزمان}} وهي تحكي قصّة عناء بدروس في ظلّ غياب أسمهان عنه بالسنوات السابقة.
ثمّ نظم لها {{يا طيور}} التي تتجلّى فيها معاني العشق، ومناجاة الشاعر للطيور كي تصف عناءهُ للحبيب بعد الفراق، وترجم القصبجي شعر بدروس بلحن يفوق الوصف وطوّع صوت أسمهان بسحر يفوق أصوات البلابل.
وبعدها نظم قطعته الرائعة {{امتى تعود يا حبيب الروح}} والتي لحنها فريد الأطرش، وغنتها أسمهان، في العام 1940، ومن المؤسف أنها مفقودة بصوتها حاليّاً، ومتوفرة بصوت فريد الأطرش فقط.
ولم يقتصر تعاونهما في الإذاعة وتسجيل الاسطوانات بل أنه نظم أغانٍ لأفلامها السينمائيّة كان آخرها أغنية ((أنا اللي أستاهل)) في فيلم ((غرام وانتقام)) الذي لم تكمل تصوير مشاهده الأخيرة، فتعرّضت لحادثة الغرق، وما كان من الشاعر الرقيق الوفي يوسف بدروس إلا أن يرثيها بكلماته الحزينة التي نُشرت في مجلّة “الصباح” في شهر يوليو 1944، فيقول:
((أكتب لمين بعدك يا آمال ومين يغني لي غيرك؟
فين ابتسامتك وعيونك تنسّـي قلبي كلّ هوانوعذب شدوك وفنونك كلّه انتهى مع اسمهان
يا عذابي كلّ ما طير غنّـى وكلّ ما أسمع ألحان
فين صوتك اللي بيطربنا خلاص سكت ما بقاش رنّان
ولا عاد قلبي حيتهنّا واسمع غناكي زي زمان
دلوقتي إنتي في الجنّة وأنا في جحيم أشكال وألوان)).

بعد كلّ هذه القصائد وغيرها ممن لم أذكرها أيضاً، والتي عبّر فيها الشاعر عن حبّه العذري الصادق الذي امتد منذ العام 1930، حتّى وفاته العام 1987، وأنا أكيد من أن حبّه لأسمهان تضاعفَ بعد وفاتها ولم ينسَ حبّها أبداً، وإني لأتساءل كيف يغفل الموثّقون هذه العلاقة المهمّة من حياة أسمهان وبدروس؟
رحم الله أسمهان ويوسف بدروس، وكلَّ محبٍّ صادقٍ، وسقى الله تلك الأيّام البريئة النقيّة الصادقة.
بقلم يوسف يوسف

