بالتأكيد؛ لم يكن تمثال القائد صلاح الدين الأيوبي المتربّع أمام قلعة دمشق كتلة من البرونز الصامت وكفى، بل كان، على مدى ثلاثة عقود، المرساة البصريّة التي تلتقي عندها جغرافيا المدينة التاريخيّة بروحها الحيّة. وحين استيقظ الدمشقيون في الآونة الأخيرة على مشهد اقتلاع النصب التذكاري من ساحته بحجة الترميم والتنظيم العمراني، لم يروا في المشهد رافعاتٍ هندسيّةٍ فحسب، بل رأوا اقتلاعاً لجزءٍ من الذاكرة الجمعيّة أثار وراءه عاصفة من الأسئلة، والهاجس الثقافي الباحث عن الأجوبة.
فلسفة الكتلة وصانعها … عندما تنطق الحجارة والبرونز
كي نفهم خطورة هذا الغياب، علينا العودة إلى صانع هذا الأثر، النحّات السوري الراحل الدكتور عبد الله السيّد (1941 – 2022). السيّد لم يكن نحّاتاً عاديّاً يُطوّع الطين والمعدن، بل كان فيلسوفاً وباحثاً في علم الجمال. حَمَل شهادة دبلوم عالي في النحت النصبي من باريس، وتخرّج في آنٍ معاً من قسم الفلسفة بجامعة دمشق. هذا المزيج الفريد جعل من تمثاله المدشّن العام 1993 عملاً دراميّاً متكاملاً.
لم يجسّد عبد الله السيّد صلاح الدين كإلهٍ أسطوري معزول، بل أنسن البطولات؛ وصاغه محاطاً بجنوده البسطاء، وجعل خلف جواده انكسار أسرى الفرنجة (أرناط والملك غي دي لوزينيان) وتاجهما الملقى أرضاً عقب معركة حطّين. اعتمد السيّد منهجاً فلسفيّاً يقوم على جدليّة الصراع والتضادّ، وجعل من الفراغ المحيط بالخيول والمحاربين عنصراً يمرّ عبره الضوء الشامي، ليمتزج التاريخ بالفضاء العامّ. هذا التمثال حظي بمكانة رفيعة لدرجة أنه طُبع على العملة الورقيّة السوريّة (فئة 200 ليرة)، ليتحوّل من معلم في ساحة إلى رمز متداول في جيوب وبيوت كلّ السوريين.

علاقة التمثال بدمشق … التاريخ يصافح الجغرافيا
يمثّل موقع النصب أمام قلعة دمشق عبقريّة في اختيار المكان؛ فالقائد الذي يرقد جسده على بعد خطوات في جامعه الأموي، كان يواجه ببرونزه القلعة الأثريّة وسوق الحميديّة النابض بالحياة اليوميّة. كان التمثال صلة الوصل بين ماضٍ مجيد وحاضر دمشقي معاصر، وكان نقطة التلاقي البصري لكلّ زائر يخرج من عبق الأسواق الشرقيّة ليرى حطّين مجسّدةً أمامه في الفضاء المفتوح.
خطورة الاقتلاع وتوجّس “الغياب الأبدي“
على الرغم من أن المبررات الرسميّة لمحافظة دمشق ومديريّة الآثار تتحدّث عن صيانة ضروريّة وتأهيل محيط القلعة لإزالة الحجب البصري، إلا أن المدرسة العالميّة في الترميم غالباً ما تفضّل خيار الترميم في الموقع (In-Situ)عبر سقالات وهناجر مؤقتة لحماية النصب وتجنّب مخاطر نقله كيميائيّاً وميكانيكيّاً.
إنّ خطورة هذا الاقتلاع تتجاوز الجانب التقني إلى تشويه الهويّة البصريّة للمدينة. إنّ إخلاء الساحة فجأة يُحدث صدمة نفسيّة لسكان المدينة وزوّارها، وينزع من المكان هيبته المعتادة. ومما يغذّي هذا التوجّس هو قلق الغياب الدائم؛ فالذاكرة الثقافيّة العربيّة مليئة بوعود النقل المؤقت لرموز وآثار ذهبت إلى مستودعات الصيانة ولم تعد، أو عادت مشوّهة ومسخاً عمّا كانت عليه، أو نُقلت إلى فضاءات جديدة معزولة تفقدها قيمتها المرتبطة بالمكان الأصلي.
السؤال المعلّق على أسوار القلعة
اليوم، تقف الساحة أمام قلعة دمشق عارية، تاركةً خلفها فراغاً موحشاً يطرح سؤاله الوجودي الثقيل على المخططين والمسؤولين عن تراث المدينة:
متى سيعود التمثال … إن عاد؟
هل ستلتزم الجهات المعنيّة بالجدول الزمني للترميم الموعود ويعود فارس حطين ليحرس مدينته من جديد؟ أم أن الساحة ستعتاد فراغها، وينضمّ تمثال عبد الله السيّد إلى قائمة الآثار المهاجرة عن أماكنها، ليصبح تذكار لصورة قديمة في أرشيف الذاكرة الدمشقيّة؟ الأيّام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن دمشق لا تحتمل طويلاً رؤية أبطالها يرحلون في الشاحنات وعربات النقل.

