الرئيسيةالرئيسةنجوى علوان ... ممثلة من العيار الثقيل في ذاكرة لا تحتفي إلا...

نجوى علوان … ممثلة من العيار الثقيل في ذاكرة لا تحتفي إلا بالنجوم

لم تكن نجوى علوان ممثّلة تبحث عن البطولة كي تثبت حضورها، ولم تحتج إلى تصدّر الملصقات كي تترك أثراً في ذاكرة المشاهد. كانت تمتلك ما هو أبعد من المساحة التي يمنحها النص للشخصيّة: صدق الأداء، وهدوء التعبير، والقدرة على تحويل الأدوار الثانويّة إلى شخصيّات نابضة بالحياة. ومع ذلك، بقي اسمها أقلّ حضوراً مما تستحقه تجربتها، قبل أن ترحل في 14 تشرين الأوّل العام 2019، تاركةً وراءها سؤالاً عن طبيعة الإنصاف في الدراما العربيّة؛ لماذا يتذكر الجمهور شخصيّات أدّاها ممثّلون، لكنّه كثيراً ما ينسى أصحاب تلك الشخصيّات؟

ممثّلة لا تحتاج إلى الصراخ كي تُرى

يُقاس الحضور التلفزيوني، في كثيرٍ من الأحيان، بحجم الدور وعدد المشاهد والظهور على الملصقات الدعائيّة، بدت نجوى علوان وكأنّها تنتمي إلى مدرسة أخرى في التمثيل. مدرسة تؤمن بأن قيمة الممثّل لا تتحدد بعدد الجمل التي يقولها، بل بقدرته على جعل الشخصيّة مقنعة، حتّى عندما لا يمنحها النص مساحة واسعة.

امتلكت علوان ملامح مألوفة وقريبة من المتلقي، وأداءً هادئاً لا يعتمد على المبالغة أو استعراض الانفعالات. كانت تعرف كيف تضبط حضورها داخل المشهد، فلا تبتلع الشخصيّات الأخرى، ولا تتحوّل إلى عنصر عابر في بناء الحكاية.

لكن هذه الموهبة تفتح باباً للنقد أيضاً. فهل كان غيابها عن أدوار البطولة المطلقة انعكاساً لاختياراتها الفنّيّة، أم أن منظومة الإنتاج والتسويق لم تكن تمنح الممثّلات صاحبات الأداء الهادئ فرصاً كافية لتوسيع حضورهن؟

لا تتوافر معطيات كافية للجزم بسببٍ واحدٍ، لكن مسيرتها تكشف مفارقة تستحق التوقف، قد يكون الممثّل مهمّاً في النسيج الفنّي للعمل، من دون التحوّل إلى اسم جماهيري يتصدّر الذاكرة الإعلاميّة.

وهنا تحديداً تكمن قيمة نجوى علوان؛ فقد امتلكت أدوات ممثّلة محترفة، لكنها لم تحظَ بالمساحة التي تسمح بتحويل هذه الأدوات إلى مشروع نجوميّة واسع ومستمر.

من لبنان إلى دمشق … هويّة فنّيّة تجاوزت الحدود

وُلدت نجوى علوان في قرية متين في جبل لبنان العام 1966، لكنها ارتبطت مهنيّاً بالدراما السوريّة بعد انتقالها إلى دمشق ودراستها في المعهد العالي للفنون المسرحيّة، الذي تخرجت فيه العام 1990.

بدأت مسيرتها الفنّيّة في مطلع التسعينيّات، وشاركت في أعمال مبكرة قبل توسّع تجربتها مع مسلسل «نهارات الدفلى» العام 1995، الذي شكّل محطّة مهمّة في انطلاقتها التلفزيونيّة.

غير أن المفارقة في مسيرتها لا تتعلّق بمكان ولادتها بقدر ما تتعلّق بالهويّة الفنّيّة التي التصقت باسمها. فكثيرون عرفوها بوصفها ممثّلة سوريّة، ولم تكن خلفيّتها اللبنانيّة حاضرة بالقدر نفسه في الوعي الجماهيري.

الممثلة نجوى علوان والملصقات داخل المشهد منظومة الإنتاج التي تسمح مع مسلسل خلفيتها لبنانية الشخصية المكتوبة أقل تداولاً العام 2004 عدد محدود

يمكن تفسير ذلك باستقرارها المهني في دمشق، وبطبيعة الأدوار التي أدّتها ضمن أعمال تنتمي إلى بيئات سوريّة وفلسطينيّة وتاريخيّة مختلفة. لقد كانت تعمل داخل منظومة إنتاجيّة سوريّة، وتؤدّي شخصيّات تتطلّب منها التكيّف مع لهجاتها ومرجعيّاتها الاجتماعيّة.

ولم تكن اللهجة اللبنانيّة شرطاً لنجاحها، بل كانت قدرتها على التخلّي عن لهجتها الأصلية لمصلحة الشخصيّة المكتوبة جزءً من أدواتها المهنيّة.

هذه المرونة تجعلها نموذجاً للممثّل العربي الذي تتجاوز هويّته الفنّيّة الحدود الجغرافيّة، وتؤكّد أن الانتماء إلى مدرسة دراميّة لا يتحدد دائماً بالجنسيّة، بل بالتجربة والتكوين والقدرة على الاندماج في بيئة العمل.

لماذا لم تحظَ تجربتها بمساحة مماثلة في الدراما اللبنانيّة؟

لا يمكن إرجاع ذلك إلى سببٍ واحدٍ، ولا تتوافر أدلّة كافية على أنها تعمّدت الابتعاد عن الإنتاج اللبناني. الأرجح أن مركز ثقل مسيرتها تشكّل في دمشق منذ سنوات الدراسة والبدايات المهنيّة، في مرحلة لم تكن فيها الدراما المشتركة بين البلدين قد أصبحت بالاتساع الذي عرفته لاحقاً.

وهكذا، صنعت نجوى علوان تجربتها في سوريا، بينما بقي جانب من هويّتها اللبنانيّة أقلّ تداولاً من إنجازها الفنّي.

«التغريبة الفلسطينية» … شخصيّة داخل ملحمة أكبر

يصعب الحديث عن تجربة نجوى علوان من دون التوقف عند مشاركتها في مسلسل «التغريبة الفلسطينية» العام 2004، من تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي.

في هذا العمل، أدّت شخصيّة لطيفة، وهي شخصيّة تدخل في شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعيّة والطبقيّة والعائليّة التي يرسم المسلسل من خلالها تحوّلات المجتمع الفلسطيني ومأساته التاريخيّة.

لم يكن نجاح «التغريبة الفلسطينية» قائماً على شخصيّة واحدة أو نجم منفرد، بل على تضافر مجموعة كبيرة من الممثّلين ضمن بناء درامي متماسك. وهذه البيئة أتاحت لنجوى علوان أن تقدّم أداءها داخل عمل يفرض على الممثّل فهم موقع شخصيّته في الحكاية الكبرى، لا الاكتفاء باستثمار حضورها الفردي.

تكمن أهمّيّة هذا النوع من الأدوار في أن الشخصيّة قد لا تكون مركز الحكاية، لكنها تسهم في إظهار طبقاتها الاجتماعيّة والنفسيّة. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى لطيفة باعتبارها محطّة في سجل أعمال علوان، بل بوصفها مثالاً على مشاركتها في دراما جماعيّة كانت قوّة الشخصيّات فيها مرتبطة بتفاعلها داخل العالم الذي بناه النص.

ومع ذلك، فإن نجاح العمل لا يعني بالضرورة أن كل ممثّل شارك فيه حصل على نصيبه من الاهتمام النقدي والإعلامي. فغالباً ما تذهب الذاكرة الجماهيريّة إلى الشخصيّات الأكثر مركزيّة، بينما تتراجع أسماء ممثّلين أسهموا في إقناع المشاهد بواقعيّة العالم الدرامي.

وهذه إحدى مشكلات التلقي التلفزيوني العربي؛ الاحتفاء بالعمل بوصفه إنجازاً جماعيّاً، ثمّ اختزال الإنجاز عند استعادة ذكرياته في عدد محدود من النجوم.

حاتم علي ونجوى علوان … شراكة فنّيّة تستحق التوقف

جمعت نجوى علوان بالمخرج الراحل حاتم علي مشاركات فنّيّة متعددة، من بينها «التغريبة الفلسطينية» العام 2004، ومسلسل «عصي الدمع» العام 2005، وفيلم «الليل الطويل» العام 2009.

وتكتسب هذه المحطّات أهمّيّتها من طبيعة المشاريع التي عملت فيها، إذ تنوّعت بين الدراما الاجتماعيّة ذات الأبعاد النفسيّة، والملحمة التاريخيّة التي تتناول الذاكرة الفلسطينيّة، والسينما التي تتيح للممثّل الاشتغال ضمن إيقاع مختلف عن التلفزيون.

في «التغريبة الفلسطينية»، كانت جزءً من نسيج تمثيلي واسع يخدم حكاية جماعيّة، بينما تجدد التعاون مع حاتم علي في «عصي الدمع» ضمن سياق درامي اجتماعي آخر. أمّا «الليل الطويل»، فقد نقل مشاركتها إلى السينما، في فيلم يقترب من قضايا القمع والاعتقال وآثار السلطة في الأفراد والعائلات.

هذه الأعمال وغيرها تتيح قراءة علاقتها المهنيّة بالمخرج من زاوية تنوّع المشاريع وثقته بقدرتها على أداء الشخصيّات ضمن عوالم دراميّة مختلفة.

لا بدّ أن حضور علوان في أكثر من مشروع لحاتم علي يضعها ضمن مجموعة الممثّلين الذين أسهموا في تشكيل عالمه الفنّي، من دون أن تكون أسماؤهم بالضرورة في مقدّمة الخطاب الإعلامي الذي أحاط بتلك الأعمال.

لم تقتصر تنوع المشاريع الخاصة بنجوى علوان بين الدراما الاجتماعية والاهتمام النقدي والإعلامي ومجموعة كبيرة من الممثلين وبيئات سورية

السينما والدوبلاج … مساحات أخرى لموهبة واحدة

لم تقتصر تجربة نجوى علوان على التلفزيون. فقد شاركت في الفيلم القصير «زائرة المساء» العام 2003، إضافةً إلى فيلم «الليل الطويل»، إلى جانب أعمال سينمائية أخرى، منها «الأمانة». كما امتدّ نشاطها إلى الدوبلاج، حيث شاركت في أعمال رسوم متحركة، من بينها «المحقق كونان» و«أسطورة زورو»، وأدّت صوت هالة في المسلسل التركي المدبلج «سنوات الضياع».

وهذا الجانب من مسيرتها يستحق اهتماماً أكبر مما ناله، لأنّ الدوبلاج ليس عملاً هامشيّاً بالنسبة إلى الممثّل، بل مجال يتطلّب أدوات مختلفة، كالتحكم في مخارج الحروف، وضبط الإيقاع، وتوصيل الانفعال بالصوت وحده، من دون الاعتماد على تعبيرات الوجه وحركة الجسد.

وقد يحقق الصوت المدبلج انتشاراً واسعاً، بينما يبقى اسم صاحبه مجهولاً لدى قطاع كبير من الجمهور. إنها مفارقة أخرى في مسيرة علوان؛ فالممثّلة التي امتلكت حضوراً بصريّاً هادئاً استطاعت أيضاً العمل في مجال يعتمد على الحضور الصوتي، لكن هذا التنوّع لم يتحوّل بالضرورة إلى معرفة جماهيريّة موازية بحجم مساهمتها.

المرض والغياب … تنتهي المسيرة قبل أن تكتمل

ابتعدت نجوى علوان عن النشاط الفنّي خلال سنواتها الأخيرة، بعد إصابتها بمرض التصلّب اللويحي، بحسب ما أوردته تقارير صحفيّة تناولت سيرتها. وتوفيت في لبنان في 14 تشرين الأوّل 2019، عن عمر ناهز الثالثة والخمسين، إثر نوبة قلبيّة وفق التقارير المنشورة.

كان رحيلها خسارة إنسانيّة وفنّيّة، لكنّه أعاد أيضاً طرح مسألة الغياب الطويل عن الشاشة، وكيف يمكن للمرض قطع مسيرة ممثّل في وقت لا تزال لديه فيه إمكانات لتقديم المزيد.

نجوى علوان كانت صاحبة مسيرة امتدّت عقوداً، وشاركت خلالها في أعمال متنوّعة، وأثبتت قدرتها التنقل بين أنماط دراميّة ومجالات فنّيّة مختلفة.

نجوى علوان الممثلة اللبنانية التي سطع نجمها في الدراما السورية وعملت في المسرح فهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية

لماذا لم تنل نجوى علوان ما تستحقه؟

ليس من الإنصاف الادعاء بأن نجوى علوان كانت مجهولة تماماً أو أن تجربتها لم تحظَ بأيّ تقدير؛ فقد تركت بصمة واضحة لدى متابعي عدد من الأعمال السوريّة، واستعادتها الصحافة بعد رحيلها بوصفها ممثّلة لبنانية الأصل ارتبطت بالدراما السوريّة.

لكن من المشروع التساؤل عن محدوديّة حضورها في الخطاب النقدي الذي يوثّق تاريخ الدراما العربيّة، مقارنة بأسماء أخرى شاركت في أعمال ذات أهمّيّة فنّيّة وجماهيريّة.

هل السبب طبيعة الأدوار التي أدّتها؟ أم أن منظومة النجوميّة التلفزيونيّة تميل إلى مكافأة البطولة المباشرة على حساب الأداء المساند؟ أم أن انقطاعها عن العمل في سنواتها الأخيرة جعل استعادة تجربتها أقل انتظاماً؟

قد تتداخل هذه العوامل، لكن المؤكد أن تقييم الممثّل لا ينبغي أن يتوقف عند عدد البطولات أو الجوائز أو مرّات تصدر اسمه العناوين.

إن إعادة قراءة تجربة نجوى علوان تقتضي النظر إلى ما قدّمته داخل المشهد، وإلى قدرتها على خدمة الشخصيّة من دون افتعال، وإلى مشاركتها في أعمال بقيت حاضرة في ذاكرة الدراما السوريّة والعربيّة.

عامر فؤاد عامر

جدل نيوز

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

Amer Fouad Amer على أسمهان تفضح القصبجي