الرئيسيةالرئيسةمحمد قدري سليمان ... لحن البيانو بين الشرق والغرب والبحث عن نسمة...

محمد قدري سليمان … لحن البيانو بين الشرق والغرب والبحث عن نسمة تصل إلى القلب

هناك موسيقيون يبدؤون رحلتهم مع النغم من مقاعد المعاهد والكليّات، وهناك من تبدأ الحكاية معهم في البيت، حيث تتحوّل الموسيقى إلى جزءٍ من الذاكرة الأولى. الفنّان المصري محمد قدري سليمان ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فقد نشأ في بيت يقدّر الجمال بمختلف أشكاله، من الفنّ والرسم والشعر إلى الموسيقى، قبل أن يجد نفسه في الخامسة من عمره أمام أوّل تجربةٍ حقيقيّةٍ مع العزف.

كانت البداية مع أغنية «توبة» لعبد الحليم حافظ، التي تعلّم عزفها على يد شقيقته الأكبر منه سنّاً، والتي يصفها بأنها عازفة ماهرة. تلك اللحظة لم تكن تجربة طفوليّة عابرة، فقد كان لردّ فعل والده ودعمه أثر كبير في تشجيعه على تطوير موهبته والاستمرار في الطريق الموسيقي.

من مفاتيح البيانو إلى كتابة الجملة الموسيقيّة

بدأ محمد قدري سليمان، في الثانية عشرة تقريباً، يكتب جملاً موسيقيّة ولحنيّة خاصّةً به، وإن كان يرى أن تلك المحاولات المبكرة لم تكن بعدُ أعمالاً متكاملة بالمفهوم الفنّي.

لكن البدايات سرعان ما أخذت شكلاً أكثر وضوحاً خلال سنوات الدراسة الجامعيّة، حين لحّن أغنية «إمتى النجاة؟» من كلمات أميرة عبد الكريم، ونُفّذت بمشاركة كورال وموسيقيي جامعة عين شمس.

أمّا أوّل مؤلّف موسيقي له، فكان بعنوان «رحيل»، وأنجزه العام 2002، لتبدأ مرحلة جديدة يتعامل فيها قدري مع الموسيقى ليس باعتبارها أداءً وحسب، إنما بوصفها مساحة للتأليف والتجريب وبناء عالم خاصّ من الأصوات.

بين كمال الطويل وبليغ حمدي وشوبان

على الرغم من كثرة الأسماء التي تركت أثراً في وجدانه الموسيقي، لا يرى سليمان نفسه أسيراً لتأثير مباشر لملحّن أو موسيقي بعينه.

ويعزو ذلك إلى سنواتٍ طويلةٍ من الاستماع إلى أنماط موسيقيّة شرقيّة وغربيّة متنوّعة، إلى جانب محاولته المستمرّة للخروج من القوالب النمطيّة.

ومع ذلك، يعترف بحضور أسماء كبيرة في تجربته، في مقدّمتها كمال الطويل، ومحمد فوزي، وبليغ حمدي، بينما تمتدّ قائمة الموسيقيين الغربيين الذين يستمع إلى أعمالهم إلى شوبان، وبرامز، وبول دو سينفيل، وريتشارد رودجرز.

وهنا ربّما تكمن إحدى مفاتيح تجربته؛ فهو لا ينظر إلى الشرق والغرب كخطّين متوازيين لا يلتقيان، وإنما كمساحتين يمكن للموسيقي العبور بينهما، شريطة ألا يفقد صوته الخاصّ.

موسيقى تبحث عن صيغة مختلفة

يصف محمد قدري سليمان أسلوبه بأنه تجربة لمزج الأنماط الموسيقيّة الشرقيّة والغربيّة، لكن ليس عبر الجمع السطحي بينهما، وإنما من خلال الاشتغال على القوالب والتركيبات الإيقاعيّة والتنقلات المقاميّة.

وهذا الطموح يضع تجربته في منطقة البحث عن هويّة موسيقيّة معاصرة؛ هويّة تستفيد من التراث الموسيقي الشرقي، وتنفتح في الوقت نفسه على تقنيّات وتقاليد الموسيقى الغربيّة.

الموسيقى … مسؤوليّة قبل أن تكون متعة

ربّما أكثر ما يلفت في رؤية سليمان للموسيقى أنه لا يتعامل معها بوصفها مادّةً للمتعة السمعيّة فقط.

فبالنسبة إليه، الموسيقى، شأنها شأن الفنون الأخرى، قادرة على التأثير في المتلقي والمساهمة في تشكيل أفكاره، ووجدانه، ومشاعره. ولذلك يربط الفنّان بثقافته العامّة وبالأفكار التي يحملها ويقدّمها من خلال فنّه.

وهو يرى أن الفنّ قد يحمل أفكاراً هدّامة، لكنّه يستطيع أيضاً نشر السلام النفسي، والحبّ، والتسامح، والتوازن الفكري والنفسي، وأن يواجه أشكال التطرّف المرتبطة بالظلم والكراهيّة والعنصريّة، وكذلك ما يراه هدماً للقيم الدينيّة والمجتمعيّة.

وتأتي الموسيقى من التجربة …

لا ينتظر قدري مكاناً محدداً أو ساعة بعينها حتّى تأتيه الفكرة الموسيقيّة. غالباً ما تبدأ الحكاية عنده من تجربة؛ قد تكون شخصيّة يعيشها، أو تجربة لآخر يتأثّر بها.

ومن هنا تبدو الموسيقى في تجربته امتداداً للحياة نفسها؛ فالنغم لا يولد في الفراغ، وإنما من مشاعر، وتجارب، وذكريات، ومواقف، تتحوّل لاحقاً إلى جمل وألحان.

«سيدتي الأولى» … موسيقى تحمل ذاكرة الأم

يحتفظ سليمان، من بين أعماله الموسيقيّة، بمكانةٍ خاصّةٍ لمقطوعة «سيدتي الأولى»، لأنها تحمل في أساسها إهداءً لوالدته الراحلة.

أمّا في مجال التلحين، فيعتزّ بأغنية «لي من هواك»، وهي قصيدة كتبها ابن عفيف التلمساني قبل نحو ثمانية قرون، وهو ما يمنح العمل بالنسبة إليه قيمة إضافيّة، لكونه يستعيد جانباً من العمق التاريخي للشعر العربي، فضلاً عن غناء الفنّان أمجد رحال للعمل.

في الحفلة … لا مكان للملل

تُعدُّ الحفلات الحيّة بالنسبة إلى الموسيقي امتحان مختلف؛ فالجمهور موجود أمامه، والتفاعل يحدث في اللحظة نفسها.

لذلك يحرص محمد قدري سليمان عند إعداد برنامجه على التنويع، بحيث لا تكون جميع الأعمال إيقاعيّة، ولا تتحوّل الحفلة في المقابل إلى مساحة هادئة بالكامل.

المعيار بالنسبة إليه هو الحفاظ على البصمة الفنّيّة العامّة للموسيقى، مع الحرص على أن تكون القطعة الأخيرة محمّلة بطاقةٍ إيجابيّةٍ، قادرة على ترك ابتسامة، وأمل، وتفاؤل، لدى المستمع.

التكنولوجيا أداة أم بديل عن الفنّان؟

أصبحت البرمجيات اليوم جزءً أساسيّاً من صناعة الموسيقى، لا يرفض سليمان التكنولوجيا، لكنّه يحذّر من الاعتماد الكامل عليها.

حيث يمكن للموزّع الموسيقي استخدامها لتوسيع آفاقه وتطوير أفكاره في التوزيع، لكن حين تتحوّل التكنولوجيا إلى بديل عن الهويّة الفنّيّة، يصبح الخطر قائماً في فقد الموسيقي بصمته ويصبح العمل أكثر تقنيّة وأقلّ إحساساً.

مشاريع جديدة وأصوات تحمل ألحانه

لا يبدو سليمان في مرحلة استراحة؛ فهو يعمل حالياً على تلحين مجموعة من الأغاني لشعراء مختلفين، بينهم محمد العربي، وعلي الشيمي، ومحمد حمد، وأبو اليزيد سعيد، وروز شرابة.

وتتوزّع أصوات هذه المشاريع بين عدد من المطربين، من بينهم أمجد رحال، ولولوة رحمون، ومحمود إبراهيم، وعبد المجيد إبراهيم، وعباس زهير.

وهذا التنوّع في الشعراء والمغنين يكشف جانباً آخر من مشروعه؛ فالموسيقي هنا لا يبحث عن صوت واحد يكرر تجربته، وإنما يفتح ألحانه أمام أصوات متعددة وخصوصيّات مختلفة.

الحلم الأكبر: عبور الموسيقى ضجيج العالم

بعد سنوات من العزف، والتلحين، والتأليف، والتوزيع، والحفلات، لا يبدو طموح محمد قدري سليمان مرتبطاً فقط بتحقيق حضور أكبر داخل الوسط الموسيقي.

طموحه الأكثر وضوحاً هو أن تصل أعماله إلى عدد أكبر من المستمعين، وأن تستطيع موسيقاه أن تتسلل إلى القلب، فتزرع فيه شيئاً من الجمال والسلام، وأن تحلّق فوق ضجيج العالم كحمامة بيضاء.

محمد قدري سليمان ليس عازف بيانو فحسب، ولا ملحناً أو موزعاً موسيقياًّ يعمل داخل حدود تخصص واحد؛ إنه موسيقي يحاول أن يبني لنفسه مساحة خاصّة بين ذاكرة الموسيقى العربيّة وانفتاحها على العالم، مؤمناً بأن أجمل ما يمكن أن تفعله الموسيقى هو تركها أثراً في الإنسان يتجاوز لحظة الاستماع.

عامر فؤاد عامر

جدل نيوز

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

Amer Fouad Amer على أسمهان تفضح القصبجي