تتحرّك تجربة الفنّان والمخرج السينمائي خالد عثمان بين التمثيل والإخراج، ضمن مساحة تبدو للوهلة الأولى مزدوجة، لكنّها في تجربته تتحوّل إلى معرفة متكاملة بأدوات صناعة الصورة وأسرار الأداء. فالممثّل الواقف أمام الكاميرا، والمخرج المتمركز خلفها، يلتقيان عند سؤالٍ مشتركٍ: كيف تتحوّل الفكرة المكتوبة إلى حياةٍ تُرى وتُصدَّق على الشاشة؟
لا تبدو العلاقة بين التمثيل والإخراج في تجربته انتقالاً بين مهنتين وكفى، بل محاولةً لفهم العمليّة الإبداعيّة من طرفيها. ويؤكّد عثمان أن المخرج يحتاج إلى فهم آليّات أداء الممثّل، وإن كانت ممارسة التمثيل نفسها ليست شرطاً لدخول عالم الإخراج؛ فالمهم، بحسب رؤيته، أن يعرف المخرج «الطريق»، حتّى لو لم يكن أفضل من يمشي فيه.
الممثّل داخل المخرج
يرى خالد عثمان أن الفارق الحقيقي بين المخرج الذي يدير الكاميرا والمخرج الذي يقود الممثّلين، وبين صاحب الرؤية السينمائيّة، يكمن في القدرة على فهم ما يحدث داخل الممثّل.
فالمخرج الذي مارس التمثيل يستطيع، من وجهة نظره، أن يدرك جسديّاً ونفسيّاً طبيعة اللحظة التي يعيشها الممثّل، ومطالبته فعلاً محدداً بدلاً من الاكتفاء بتوجيهات عامّة من نوع «كنْ حزيناً». لكن عثمان لا يحوّل هذه الخبرة إلى شرط مطلق؛ فهناك مخرجون كبار لم يمثّلوا أمام الكاميرا، ومع ذلك استطاعوا الوصول إلى أداءات استثنائيّة.
المعادلة بالنسبة إليه ليست في أن يكون المخرج ممثّلاً، بل بامتلاك القدرة على التحليل والتواصل وفهم أدوات الممثّل.
شابلن … من تقليد الصورة إلى تشخيص الإنسان
في «ليالي روكسي»، واجه عثمان واحداً من أكثر الاختبارات حساسيّةً بالنسبة إلى ممثّل، ويقصد تجسيد شخصيّة شارلي شابلن، وهي شخصيّة تحمل إرثاً بصريّاً وثقافيّاً عالميّاً.
لكن عثمان يميّز بوضوح بين «التقليد» و«التشخيص». فالتقليد، كما يراه، قد يتوقّف عند الشارب والقبعة والعصا والمشية، بينما يبدأ التشخيص الحقيقي من محاولة فهم الإنسان خلف الصورة.
وهنا كانت رحلة البحث عن شابلن الذي زار دمشق العام 1932، بعيداً عن الشخصيّة السينمائيّة المعروفة باسم «الصعلوك». وبسبب غياب توثيق بصري لزيارة شابلن إلى دمشق، لجأ عثمان إلى البحث والقراءة والمشاهدة، محاولاً بناء الشخصيّة من الداخل، لا الاكتفاء باستنساخ ملامحها الخارجيّة.
والأهمّ أن شخصيّة شابلن في «ليالي روكسي» ليست موضوعاً وثائقيّاً قائماً بذاته، وإنما جزء من البناء الدرامي. لذلك كان على الممثّل خدمة الوظيفة الدراميّة للشخصيّة، لا تحويل العمل إلى سيرة سينمائيّة لشابلن.

غيفارا … الأيقونة عبئٌ على الممثّل
تتكرر التجربة نفسها بصورةٍ مختلفةٍ مع شخصيّة تشي غيفارا. هنا لا يواجه الممثّل صورة سينمائيّة فحسب، بل أيقونة سياسيّة وثقافيّة عالميّة.
يرى عثمان أنّ التحدّي يكمن في التخلّص من «الأيقونة» للوصول إلى الرجل بمواصفات الطبيب الشاب في الحادية والثلاثين من عمره، مصاب بالربو، يزور دمشق ويصلّي في الجامع الأموي، ويقف عند قبر صلاح الدين.
وفي هذه النقطة، يضع عثمان قاعدة مهمّة في التعامل مع الشخصيّات التاريخيّة: لا تختلق ما يناقض الوثيقة، لكن املأ صمتها بما يخدم الدراما.
فـ«شارع شيكاغو» و«ليالي روكسي» ليسا في نظره فيلمين وثائقيين عن غيفارا وشابلن، وإنما حكايتان دراميّتان تمرّ فيهما شخصيّتان تاريخيّتان داخل عالمٍ دمشقيّ.

الممثّل لا يهدد رؤية المخرج
ومن موقعه كمخرج، لا يؤمن عثمان بأنّ أفضل أداء هو بالضرورة الأداء الذي ينفّذ التصوّر الأوّل للمخرج حرفيّاً.
هو يميّز بين الرؤية والتصوّر الأوّل. الرؤية بالنسبة إليه هي ما يريد العمل قوله، أمّا التصوّر الأوّل فهو فرضيّة قابلة للاختبار أمام الممثّل.
ويستشهد بتجربته في «ليالي روكسي» مع المخرج محمد عبد العزيز، حين اختلفا حول طريقة تقديم شخصيّة شابلن، قبل أن يصلا من خلال التجربة إلى صيغة تجمع بين الرؤيتين.
هذه التجربة تلخّص فلسفة عثمان في العلاقة بين المخرج والممثّل: الحوار لا ينتقص من سلطة المخرج، بل يمكن تطوير العمل، شرط بقاء الجميع داخل الرؤية العامّة للمشروع.
النص أوّلاً … لكن الصورة هي لغة السينما
يقف خالد عثمان بوضوح إلى جانب النص؛ عبر النقاش التقليدي حول سؤال: هل تبدأ السينما من النص أم من الصورة؟
يرى أن السيناريو هو حجر الأساس، وأن الصورة والصوت والإيقاع تأتي لتدعيمه وتجسيده على الشاشة. وفي المقابل، لا يمنح النص سلطة تلغي الصورة؛ فالمخرج الحقيقي، وفق تصوّره، هو من يقرأ النص بعمق ثمّ «يعيد كتابته بصريّاً» من دون فَقْدِ روحه.
ومن هنا يرفض عثمان تحوّل الدراما إلى «مسلسل إذاعي مصوّر»، حيث يصبح الحوار مسؤولاً عن شرح كلّ شيء بينما تأتي الصورة بوصفها عنصراً زائداً.
فالسينما، في جوهرها، بالنسبة إليه، ليست ما تقوله الشخصيّات فقط، وإنما كيف تصل الفكرة إلى المتلقي بصريّاً.
الرؤية قبل الكاميرا
يضع عثمان خطّاً فاصلاً بين المخرج التقني والمخرج صاحب الرؤية.
الحرفة يمكن تعلّمها وتطويرها، أمّا الرؤية فتتكون من تراكم التجارب والثقافة والاحتكاك بالناس ومراقبة المجتمع وفهم سلوك البشر. ولذلك فإن امتلاك الكاميرا لا يعني امتلاك لغة سينمائيّة.
ويختصر المسألة في سؤالين يلاحقان المخرج طوال تجربته: لمن أُقدّم هذا العمل؟ وماذا أريد القول من خلاله؟
فالحرفة من دون رؤية قد تنتج عملاً مصقولاً لكنّه فارغ، بينما الرؤية من دون حرفة قد تنتج عملاً مهمّاً لكنّه مفكك. الإبداع الحقيقي، كما يرى، يبدأ عندما تلتقي الرؤية بالحرفة.

أزمة الدراما السوريّة ليست أزمة مواهب
في تشخيصه لواقع الدراما السوريّة، يرفض عثمان اختزال المشكلة في نقص المواهب أو النصوص.
من وجهة نظره، الأزمة الأساسيّة تكمن في بنية الصناعة نفسها؛ في غياب منظومة متكاملة للإنتاج والتوزيع والعرض والحقوق والتسويق.
ويرى أن الدراما السوريّة تمتلك مواهب وكتّاباً، لكنّها لم تنجح بعد في تحويل هذه الطاقة إلى صناعة مكتملة، كما ينتقد تحوّل بعض المنتجين من مفهوم «الصانع» إلى منطق «التاجر»، حيث يصبح السعر والربح أكثر حضوراً من قراءة النص والإيمان بالمشروع الفنّي.
وبحسب هذا التصوّر، فإن العقليّة التلفزيونيّة ليست أصل المشكلة، بل نتيجة لبنية إنتاجيّة تفرض أحياناً تصوير عدد كبير من الحلقات خلال وقت قصير، وبإيقاع لا يسمح دائماً ببناء لغة بصريّة متماسكة.
المنصّات … حريّة جديدة ورقابة جديدة
لا يرى عثمان أن دخول المنصّات الرقميّة ألغى الرقابة، وإنما غيّر طبيعتها. فالمنصّة، في تصوّره، أتاحت موضوعات ومساحات لم تكن متاحة سابقاً، ووسّعت الجمهور خارج الحدود الجغرافية، لكنّها في المقابل أدخلت الفنّان في مواجهة شروط السوق والخوارزميّة وأرقام المشاهدة وسرعة الإنتاج.
أيّ أن الرقابة، وفق قراءته، لم تختفِ، وإنما انتقلت جزئيّاً من الرقابة السياسيّة والأخلاقيّة إلى الرقابة التجاريّة؛ فالمنصّة معنيّة أيضاً بسؤال: هل سيكمل الجمهور مشاهدة العمل؟

الموهبة وحدها لا تكفي
يتوقّف عثمان عند واحدة من أكثر القضايا حساسيّة في الوسط الفنّي: آليّات اختيار الممثّلين. وهو يرى أن تجارب الأداء المعلنة لا تعكس دائماً، في تجربته وقراءته للسوق، الطريقة التي تُوزّع بها الأدوار فعليّاً، وأن المنتج قد يلجأ إلى عناصر يعتبرها «ضمانات» مثل النجوميّة والشكل والعمر وعدد المتابعين، بدلاً من تحمل مخاطرة اكتشاف موهبة جديدة.
واللافت أنه لا يستثني نفسه من هذه المعادلة، بل يعترف بأن بعض فرصه كممثّل جاءت عبر علاقات شخصيّة وترشيحات من نجوم ومخرجين، وأحياناً عبر المصادفة، مستشهداً بدور «المايسترو» في خماسيّة «صولو» الذي حصل عليه من المخرج حازم زيدان.
الاستقلال الفنّي له ثمن
بعد سنوات من العمل، يقول عثمان إن السينما لم تعد بالنسبة إليه فكرة وكاميرا وشغف فقط، بل اكتشف أنها صناعة واقتصاد وسياسة وعلاقات وعمل جماعي معقّد.
وهذا الوعي هو الذي جعله يضع شروطاً واضحة لما يقبل به فنّيّاً: الأجر المستحق وظروف الإنتاج التي تليق بالعمل.
وهو يدرك أن هذا الموقف قد يؤخر خطواته في السوق، لكنّه يقبله ثمناً للاستقلال الفنّي. وفي الوقت نفسه يعترف بأن القدرة على الرفض تحتاج إلى هامش اقتصادي يسمح للفنّان بألا يكون مضطراً لقبول أيّ فرصة متاحة.
خالد عثمان … من بعيد يرى الصورة بشكل مختلف
اليوم يواصل خالد عثمان دراسته لصناعة الأفلام، لكن من زاوية جديدة: الذكاء الاصطناعي.
لا يتعامل معه بوصفه تهديداً للسينما، بل باعتباره مرحلة جديدة في تطوّر أدواتها، مشبّهاً ذلك بالانتقال التاريخي من السينما الصامتة إلى الناطقة.
لكن الأداة، بالنسبة إليه، لا تصنع المخرج. الكاميرا لم تصنع المخرج يوماً، والذكاء الاصطناعي لن يفعل ذلك؛ ما يصنع المخرج في النهاية هو الرؤية.
ويتّجه عثمان في خططه المقبلة نحو استقلاليّة إنتاجيّة عبر شركته الخاصّة، وتطوير أدواته الجديدة، والعمل على مشاريع تتجاوز الحدود. أمّا المسافة التي يعيشها عن بلده، فيراها فرصة للنظر إليه من زاوية مختلفة، ومحاولة صناعة حكايات يمكن وصولها لجمهورٍ أوسع.
وفي نهاية هذه الرحلة، يبدو أن سؤال خالد عثمان الأساسي ليس كيف يمتلك المخرج الصورة، وإنما كيف يفهم الإنسان من خلالها. وهذا ربّما هو الفارق بين صناعة صورة جميلة، وصناعة عمل يبقى بعد انتهاء العرض.

