ليس سهلاً أن تتحدّث فنّانة عن شقيقها الراحل، خصوصاً حين يكون هذا الشقيق مُخرجاً ترك أثراً في السينما السوريّة، وحين يتحوّل اسمه بعد الرحيل إلى عنوان لدورة مهرجان سينمائي. لكن الفنّانة كاميليا بطرس، التي عُرفت في المنطقة الوسطى بوصفها «سيّدة المسرح»، وجدت في تكريم شقيقها المخرج السينمائي الراحل ريمون بطرس في الدورة التاسعة من مهرجان السويداء للأفلام القصيرة، مناسبةً لاستعادة الإنسان قبل الفنّان، والذاكرة قبل الأرشيف.
كاميليا، ابنة حماة وشقيقة ريمون، لم تكن بعيدة عن تجربته الفنّيّة؛ فقد جمعتهما أيضاً مشاركاتٍ في عدد من الأفلام، الأمر الذي يجعل شهادتها عنه قائمةً على معرفة شخصيّة وفنّيّة في الوقت نفسه.
وتؤكد بطرس أن للتكريم في السويداء تحديداً معنى يتجاوز المناسبة الاحتفاليّة، لأنّ هذه المدينة، في نظرها، ليست مكان جغرافي فقط، وإنما فضاء ثقافي وفنّي له حضوره المتجذّر في الذاكرة السوريّة والعربيّة.
وتقول كاميليا إنّ «السويداء ليست مجرّد مدينة، بل هي حضارة وثقافة وفنّ أصيل ممتدّ عبر التاريخ»، مشيرةً إلى أنها أرض احتضنت الإبداع الفنّي، وأنجبت أسماء تركت حضوراً واسعاً في الوجدان العربي، مثل أسمهان، وفريد الأطرش، وفهد بلان …
ومن هنا ترى أن إطلاق اسم ريمون بطرس على الدورة التاسعة من مهرجان الأفلام القصيرة يمنح التكريم قيمة إضافيّة، لأنه يأتي من بيئة تعرف معنى الفنّ وتحتفي به بوصفه جزءً من هويّتها الثقافيّة.
التكريم ليس مجاملةً للراحل …
في حديثها عن معنى التكريم، تضع كاميليا المسألة في سياق أوسع من الاحتفاء بشخصٍ غائب. فالتكريم، كما تراه، فعل أخلاقي وإنساني قبل أن يكون احتفالاً فنّيّاً؛ هو كلمة شكر لمسيرةٍ مضت، وفي الوقت نفسه إعادة وضع هذه المسيرة في متناول الذاكرة الجماعيّة.
لكنّها تذهب أبعد من فكرة «استعادة الذاكرة»، مؤكدةً أن تكريم ريمون لا يعني فقط تذكير الناس به، وإنما ترسيخ حضوره في وجدانهم كفنّان وإنسان.
وتقول عن شقيقها: «كان مُحبّاً ورائعاً بكلّ ما تحمله الكلمة من معنىً، وليس هذا شهادة مجروحة لأنه أخي، بل هي الحقيقة التي يدركها كلّ من عرف ريمون وكان قريباً منه».
وترسم كاميليا صورة مختلفة عن الصورة التي قد تختزل المخرج في أفلامه وموقعه الفنّي. فريمون، بحسب شهادتها، كان صاحب موهبة وحالة إبداعيّة خاصّة، لكنّه في الوقت نفسه كان أخاً صادقاً وحنوناً، وأباً متميّزاً، وإنساناً شغوفاً بكلّ ما هو إيجابي وجميل في الحياة.
وهنا تبدو قيمة شهادتها في أنها لا تتعامل مع ريمون باعتباره اسماً سينمائيّاً فقط، بل باعتباره شخصيّةً إنسانيّةً كانت السينما واحدةً من وجوهها.

ريمون بين الوطن والسينما …
تشير كاميليا، وفي استعادتها للجانب الشخصي من كينونة شقيقها، إلى أن محبّة الوطن كانت، كما تصفها، شغفاً أساسيّاً في حياته، إلى جانب علاقته العميقة بالسينما والشاشة الفضيّة.
وتتذكّر عبارته التي كان يرددها دائماً: «عاشت تحيا سوريا»، وهي عبارة تختصر بالنسبة إليها جانباً من علاقته بالوطن، وبالقضايا التي كانت حاضرة في وعيه، وحياته.
وبين الوطن والسينما والإنسان، تكتمل صورة ريمون بطرس في شهادة شقيقته؛ صورة لا تريد لها البقاء محصورةً في أرشيف الأفلام أو في مناسبات التكريم، بل لتنتقل إلى الأجيال التي لم تعاصره.
السويداء … ذاكرة فنّيّة لا ينبغي أن تنطفئ
ولا تفصل كاميليا تكريم شقيقها عن المكان الذي احتضن المناسبة. فهي، كما تقول، تتمنّى بقاء السويداء «ركناً ثقافيّاً» و«ركناً إبداعيّاً» كما عرفها الناس، وأن تستمرّ نجاحاتها في المسرح، والسينما، والفنون التشكيليّة، وسائر المجالات الإبداعيّة.
وهذا الجانب من حديثها يخرج بالتكريم من دائرة الشخص إلى دائرة المكان. فالمهرجان، بالنسبة إليها، هو مناسبة لاستعادة اسم ريمون بطرس، وكذلك فرصة للتأكيد على ضرورة استمرار الفعل الثقافي والفنّي في السويداء، بوصفه جزءً من الذاكرة السوريّة.
وتتمنّى كاميليا أن تبقى «حالة الإبداع الإنسانيّة للإنسان» حاضرةً في ذاكرة الناس، وأن يكون ريمون واحداً من أولئك الذين تحفظهم هذه الذاكرة لا لأنهم غابوا، وإنّما لأنّ ما تركوه يستحق الاستمرار.

أنتم باقون …
اختارت كاميليا، في كلمتها بمناسبة افتتاح الدورة التاسعة من مهرجان السويداء للأفلام القصيرة، أن تخاطب السويداء نفسها، مستحضرةً تاريخها الفنّي والثقافي، وكأنها ترى في المهرجان امتداداً لسلسلة طويلة من الإبداع الذي خرج من هذه الأرض.
تقول: «إنه حالة من البقاء، وامتداد لعراقة الفنّ الأصيل الذي نشر نوره عبر العالم، من خلال الكثير والكثير من الفنّانين الذين خرجوا من هذه المدينة يحملون الحبّ والشوق، ويحملون الفنّ العريق الأصيل».
ثمّ تختصر رسالتها في عبارة تحمل معنىً يتجاوز المناسبة: «أنتم باقون.. باقون كما هي الأحجار الجميلة التي تدل على الأصالة، باقون فنّاً متميّزاً، وفنّاً أصيلاً، وفنّاً منتشراً بنوره في كلّ العالم».

